17 يناير, 2012

صرخة أمل يجسدها حلم الديداموني : بقلم محمود رمضان الطهطاوي



الشاعر محمود الديداموني مسكون بروح الشعر .. في ديوانه "كان في عيني حلم " الصادر عن سلسلة " إشراقات جديدة " التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب .. يطلق صرخة أمل يجسدها في قصيدته المخضبة بالرومانسية .. المسكونة بوجع الوطن .. يأتي حلمه متفجرا .. يحلم بالفجر الآتي والقادم .. يحلم بالخلاص من هذا الوجع المتسربل في الوطن .. المتشعب في دروبه .. القابع في أرواحنا الباحثة عن الخلاص .

يرفض الواقع .. ومنه ينطلق لروح الحلم ..حلم الخلاص .. الخروج من عتمة المكان إلى براح الفجر بنوره الطارح ملامح الأمل.

ينسج قصيدته بمهارة كما ينسج سرده .. فهو متعدد المواهب .. يكتب الرواية بجوار القصيدة ..

المـتأمل عنوان الديوان " كان في عيني حلم " يجد فعل الماضي " كان " مجسدا هذا الحلم .. وكأن الشاعر يؤكد لنا من الطلة الأولى لهذا العنوان الذي تحمله قصيدة تتدثر بكثير من اللا آت .. في مواجهة الموت .. في محاولة للتشبث بالحياة ..تلك المواجهة الحلم .. كما يقول في القصيدة : " فاسكبي الأنوار في/ عينيَّ فجرا/ أحمل الصبح حكايا/ أبتسم/ فابسمي " .

وتظهر فلسفته المعجونه بوهج الصوفية وهو يرسم لنا صورة عذبة في قصيدة "يأتي الخريف مباغتا" ،وهو يقول : " أنا لست أبحث عن خيوط / الفجر تشرق في حياة/فوضوية/أنا لست أبحث عن رياضٍ/سندسية/ليست قضية/ماذا أريد من الحياة وما/تريد اليوم حتى نفترق/أنا للحياة مع الحياة بلا حياة/لكنني بالحب تسكنني الحياة " .

تلك اللمحة الصوفية المتوهجة .. الباحثة عن الأمل ، الذائبة في وعي الوعي ، تجسد الحلم الديداموني الباحثة عن السكينة والحياة المخضبة بالحب .

وتأتي المواجهة ، مواجهة هذا الحلم الرائق تواجهه برقة يذوب في عالمها يهطل مطرا عذباً .. كما تجسده قصيدة " ترانيم البوح " ، وهو يرسم صورة غاية في الجمال مخاطبا محبوبته- أينا كانت – فيقول : " يا أنسية عمري/ السحب تهاجم/ وجه الشمس برغم فسائلها/ الصيفية/ إذ لا تملك غير عذوبتها/ غير سلاح الرقة/ تشهره في وجه السحب القادمةإليها/ من رحم عواصف شتوية/ فتذوَّبها مطرا "

إن الشاعر الغارق في نهر الرومانسية العذب .. يرسم لنا هذه الصورة المبدعة بعين الفنان الغارق في الحلم .

وصورة مماثلة يرسمها الشاعر في قصيدة " الحلم والغربة " يقول : " تئوبين فجراً/جديداً جيداً/ يعلن للراحلين الحداد / ويرسل للحلم بعض السحاب/ فتمطر فيه السماء الجمال" .

أما قصيدة " هدأة البحر مستحيلة " فهي تجسد أمل الخلاص تستشرف الواقع ومنه تنطلق للمستقبل تحث للخروج من خلف التجمد، الاستسلام لمواجهة الواقع .. فالعنوان دال ومعبر .. فمن الصعب أن نقف أمام الموج العاتي للبحر .. وهدوء البحر يأتي خلفه موج عارم من الصعب التصدي له والوقوف أمامه .. فيرسم لنا تلك الصورة الدفاقة وهو يقول : " وكأنك تستنطق آهاتي/ يامن تقبع خلف ستائرك الثلجية/أخرج هيا كالطلقة/ أنقد من فضلك أمة/وتوحد/ وأعلم وحدك لا / غيرك يملك نزع فتيل الفرقة/ الآن .. الآن .. فلا تصمت / فالبحر يحاصره قيده/قد أصبح لا يملك موجه/ لايملك سره/ يجبر كي يوغل نحو الأرض/ فيسحب صبوتها/ يغزو زهر بكارتها/ يبتلع التاريخ النابت فيها/ يبتلع كنوزا وعصوراً/ تصبح في طي النسيان/ أخرج وتقدم / هل تدرك ما أحلم به؟/ لو تدرك .. لخرجت "

أما قصيدة " أغنية الخلد " فتجسد مشاعر انصهار الذات في الذات .. تبحر في لحظة توحد وتموسق بين الماضي والحاضر والآتي .. تتمسك بتلاتيب الإنسان/ الذات ، تقسم بالخروج من هذا الوهن/ الإستكانة ..إلى واقع مغاير ، الحلم ، حلم الخلاص ، يقول الشاعر : " أقسمت../ بأن لا أسقط من ذاتي ../ ذاتي / أقسمت بأن لا أسقط ../ أمسي / واللحظة .. والآتي/ سأواري سوءاتي/ وأضمد ../ جرح الشمس .../ لتسطع في بيداء .. حياتي " .

وفي قصيدة " في عتمة الليل " يتأجج الحلم معلنا بأن الليل مجرد نبات آفل .. والشمس قادمة بنورها لامحالة ..فيقول : " فتلفح وجه الحياة الودود / ويشتد في الأفق صوت البوار/ فما الليل إلا نبات الأفولِ/ وشمساً تحوَّطها الإنهيار " .

إنه شاعر يداعب الحرف بمهارة ،وينسج عالمه الشعري برومانسيته العذبة التي لا تنفصل عن الواقع ، ومنه تنطلق ، تحلم بمستقبل أفضل .. تحثنا عن الخروج من العتمة إلى النور ، لذا جاءت مفردات الفجر والنهار والنور متوغلة في عمق الصورة الشعرية : " ونقبل شطآن النهر نصادق فجره " ، " عن أوردة الفجر/ الشمس " ، " تعودين فجرا/ يغازل في القلب حلم الصباح " ، " بكل الشموس/ تعرين قهر الليال " ، " ينشدن صبحا جريئا/ يعانق فجرا طهورا " ، " جدي سابق فرسان العالم / حوَّل ظلمات الكون إلى فجر " .. الخ

إنه الشاعر الحالم بصبح ندي .. يرسم لنا ملامح الأمل في الخلاص في ديوانه " (كان) في عينيي حلم " فتحول حلمه إلى حقيقة .. وصار الحلم واقعا ملموسا نعيشه .. فالشاعر الخارج من رحم الواقع يستشرف المستقبل بمهارة .. لذلك نشعر بطزاجة الكثير من القصائد ونحن نطالع الديوان .

مجرد طلة على ديوان زاخر بالشعر .. والصورة المرسومة بفنية ومهارة .

07 أغسطس, 2011

أسد : قصة قصيرة جدالمحمود الديدامونى مع ترجمة للمترجم الشاعر حسن حجازى


أسد

قصة بقلم :
محمود الديداموني

ثار على كبته ، أمسك بعكازه من طرفه المفرود ، راح يجر أرجل المارين أمامه ، أداره فى يده ، زأر كالأسد ، من يقف أمامه يلهبه على ظهره ، ضرب بكل قسوة ، نظر إلى بذلاتهم الأنيقة رنات الموبايلات تتصاعد من جيوبهم ، عاود الضرب ، أفقدهم الوعى ، أراد أن يبول عليهم ، فعل ، راح يرش وجوههم فى كبرياء ، بينما تتعالى ضحكاته ، أحس بسخونة تتسرب تحت جسده انتبه لتوه ، مازالت المياة تنحدر ، لتتسع البقعة وتحترق عيدان الكبرياء .

******
A lion

By :
Mahmoud Al-Didamouny

Translated by :


Hassan Hegazy
Egypt


He rebelled against his books . held his crutch from its straight end , he began to drag the passers-by in front of him, he rolled it in his hand , he roared like a lion , he hit whoever faced him on his back , struck very hard , looked at their smart suits and the ringing of their mobiles that were rising out from their pockets , again he hit , they were out of conscious ,he tried to urinate on them , he did , sprayed their faces proudly , while he burst into laughter , he felt heat leaking under his skin , paid attention , water was still falling , the patch got wider and wider , burning the rods of his arrogance .
0

19 مايو, 2011

ديوان " كان فى عينيَّ حلم " للشاعر محمود الديدامونى


ديوان " كان فى عينيَّ حلم " للشاعر محمود الديدامونى


صدر مؤخرا عن الهيئة المصرية للكتاب ديوان " كان فى عينيَّ حلم " بعد أن ظل حبيس الأدراج من 2004 وقصائده تعبر عن مرحلة قديمة فى تجربة الديدامونى ، يقول دكتور صابر عنها : الشاعر محمود الديدامونى من الأصوات الشعرية القادمة من عالم الحلم والتأمل والقلق والتمرد ، وهو من أبناء جيله مشحون بالتوتر وتواق إلي الحرية 00وملتحم بالواقع ، وينطلق من ذات المقهورة ليعبر مفازات هذا العالم ومتاهاته ،

والمحبوبة / الحلم " في تجربة الديدامونى " كائن يبوح له الشاعر بكل أشواقه ورغباته واعتراضاته واحباطاته ،

•والشاعر مازال مشدوداً إلى عالم الرومانسية مع استشراف آفاق الواقع ومحاولة المجابهة ...و المقاومة ..و الاستسلام ،

•وعنوان الديوان كان في عينيَّ حلم يضعنا أمام الإحساس بهذه الحيرة ... القلق ، هل يظل الشاعر فى أحلامه .. أم يرفضها .. في سرداب الكينونة الماضية ... تحسراً عليها ... ولكن رفضاً لها .. وثورة عليها .

صدور مسرحية مرايا الوهن لمحمود الديدامونى


مرايا الوهن " مسرحية شعرية "


مسرحية شعرية بعنوان "مرايا الوهن "عدد225 للشاعر محمود الديدامونى فى 100 صفحة من القطع المتوسط تستمد أرضيتها من التراث المصري وتستند لمقولة " هيرودوت " مصر هبة النيل " يقول د / نادر عبدالخالق عن المسرحية : قدم التجربة من بعدين يمثلان ويشكلان مهاما تجسيدية تشخيصية متطورة فى بناء المسرحية المعاصرة وهما " الرمز- والخيال "، وما ترتب عليهما من كيفية بناء الشخصية وتحولها بطريقة متطورة من الواقع إلى الرمز ومن الرمز إلى الخيال ومن الخيال إلى النص، فى مراحل من الترجمة الإبداعية الشعورية التى تقوم على التخيل وبناء التجربة التطبيقية دون أن يكون هناك توقف للحركة التصاعدية المكثفة التى لا تنحصر تداعياتها فى التعبير فقط، وإنما تمتد لتشمل الزمان والمكان والواقع الخارجى والداخلى، واستلهام الصورة النفسية الأدبية استلهاما خاصا يقوم على بناء الاستعارة وحركتها فى واقع النص والعلاقة التى تحكم أركانها التصويرية التطبيقية التى تقترب من الرمز وقدرته فى التمثيل المركب " المستعار– والمستعار منه – والمستعارله " و" الشاعر" بصفته حلقة وصل بين الواقع والنص الذى يمثل استعارة كلية تتحق موضوعيتها عن طريق التشخيص والتمثيل والإيقاع المركب للصورة والموسيقى فى المسرح الشعرى .

05 مارس, 2011

الشعب أراد الحياة .. ثورة مصر .....عدد خاص مارس 2011




صدر عدد مارس من مجلة الثقافة الجديدة التى تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، فى شكل جديد ومفاجآت متعددة، إذ يتضمن أول ملف يجمع شهادات الأدباء والمبدعين المشاركين فى ثورة 25 يناير، إضافة إلى الترجمة الكاملة لمقالات كبار المفكرين الغربيين الذين تواجدوا داخل ميدان التحرير.

يبدأ العدد بشهادة بعنوان "ثورة الخيال النبيل والمبتسم" لعزت القمحاوى ويضم شهادات "الشمس على يمينه والقمر على يساره، وهو رئيسا للأبد" لوجدى الكومى، و"حالة تحرير" للدكتور هيثم الحاج على و"أنا الطفل اللى ممكن يزعج العالم بصمته" لوائل فتحى، "ما بين استعادة البصيرة والثورة البيضاء" لأحمد عبد اللطيف، "عفواً نحن فى زمن الثورة" لشادى أصلان، "للأسفلت مذاق آخر" لباسم شرف، "الثورة عصير الشعب المصرى" لسامية بكرى، "وحدها الحرية تبقى تحرسها أسماء الشهداء وأرواحهم" لمصطفى رزق، "هوامش على دفتر الثورة" لطه عبد المنعم، "بورسعيد الثائرة وثورة 25 يناير الجسورة" لقاسم مسعد عليوة، "نجارون دمايطة: الكماشة لخلع المسمار العنيد!" لسمير الفيل، "من وقائع الثورة! شاهد عيان" لانتصار عبد المنعم، "شهادة عن يدى العائدة من الفراغ" لمحمود محمد عبد الفتاح، "دروس فى الحلم" لأمانى صالح،" الثورات المبهجة" لأحمد عبد الحميد النجار، "حاذينا خطو النصر، لا أمامه، لا خلفه" لمدحت صفوت محفوظ، "العنقاء تولد من جديد" لمحمد عبد النبى، "فى حضرة شاوشيسكو" لأحمد عبد المنعم رمضان، "ثمانية عشر يوما غيرت العالم" لولاء فتحي، "عن وطن جاء وبقى" لنهى محمود، "الإسماعيلية قبل وبعد 25 يناير" لجمال حراجى، "25 يناير.. العبور إلى مصر" لحمزة قناوى، "كان الله يبتسم فى ميدان التحرير" لوائل فتحى، "لا ينوء بحمله رجال" لرانيا هلال، "المحروسة 2011" لشيماء عزت، "حتى تعود مصر سيدة الأرض" لحاتم عرفة، "الشعب المصرى يسطر أعظم ملاحم التاريخ" لهويدا صالح.


إضافة إلى حوار خاص مع المفكر "سمير مرقس" بعنوان "ثورة 25 يناير أعادت الروح الوطنية"، أجرته الزميلة إخلاص عطا الله، وتقرير عن شهادات الثوار بعنوان "حكم الشعوب مش بالرصاص، حكم الشعوب بقلم رصاص" أعده سمير درويش، وتحقيق خاص بعنوان "أدباء فرنسا يكتبون عن الثورة المصرية" أعده طلال فيصل.


كما يضم العدد الترجمة الكاملة لمقالات "هذه الثورة ليست إسلامية" لأوليفييه روى، ترجمة عمرو خيرى، و"أمريكا لا تخاف الإسلام الراديكالى بل الاستقلال" لنعوم تشومسكى، ترجمة أحمد شافعى، و"لقد فعلوها!" لتوماس فريدمان، ترجمة محمد عبد النبى، و"شبح ماضى الثورة" لنيكولاى جروزنى، ترجمة أحمد شافعى و"لماذا الخوف من الروح الثورية العربية؟" لسلافوى جيجك، ترجمة أحمد شافعى.



ومقالات "مباراة عصرية فى شد الحبل بين الحرية والاستبداد" لطلعت رضوان، و"من تداعيات الثورة عراة فى الميدان" لسهام بيومى، و"الشباب يعيد كتابة التاريخ" لفؤاد قنديل، و"فلتكن الأيام القادمة بردا وسلاما عليك يا مصر" للسيد نجم، و"رائحة الحرية" لأسامة كمال، و"ثورة ثقافية " لفؤاد بركات، ودراسة بعنوان "وسائل الاتصالات الحديثة وثورة الشباب فى مصر" للدكتور محمد فتحى فرج.


إبداع الثورة يتجلى فى عدة قصائد منها "يسعد صبح الريحان" درويش الأسيوطى، "خريف البطريرك" عبد العزيز موافى، و"الأنشوطة.. والشيطان" جميل محمود عبد الرحمن، و"ثورة نبى" سعيد حامد شحاتة، و"أصوات عديدة لفرد واحد" مسرحية من خمسة مشاهد" أسما عواد، و"رسالة إلى من أهمل رسائلى وظل ينظر إلى صورته" عيد عبد الحليم، و"سيرة شَيْخ المَاءِ" حسن شهاب الدين، و"قل من أنت؟" شعر شعيب خلف، و"عمار يا مصــر" سامح درويش، و"الموعد "محمد محمد عبدالعزيز، و"رسالة إلى طاغية" شعر عاطف الجندى، و"قصيدتان من دفتر التحرير شعر" محمود الديدامونى، "يختصرُ الضبابَ، يُعَنْوِنُ المسافة "إيهاب خليفة، و"ساحة الشهداء "أمين ريان، وقصيدة بلا عنوان لنور سليمان أحمد، و"يجرى ف شرايين دمنا" عبده الزراع، و"اتولدنا من جديد" رحاب عبد السلام العمرى، "الحكم للميدان" أحمد سراج.


كما يضم العدد مقال "الحرية من الفيس بوك الى ميدان التحرير" هشام الصباحى، ودراسة "الإبداع وحرية التعبير فى خمسين عاما" عبد الغنى داود ودراسة "هل يقدم الفن ماضياً للثورة؟" عزة سلطان ، و"لمحات.. من ثورة الشعب المصرى عام 1919"نبيل السمالوطى، إضافة إلى مقال صفحة جديدة بقلم: مصطفى عبد الله وهواجس الديكتاتور المخلوع بقلم: ناصر عراق.

12 فبراير, 2011

زهرات العهد الحليب : شعر : محمود الديدامونى



تسكن الزهرات ثكلى

والضياء الحر فى جفنىَّ

ينظر للحياة

يحتضن النبأ السعيد

فى نبض الهاتف الجوال

ليت السعادة تكتمل

والزهرة العنقاء فى كبد البلاد

تصير فى وطنى حقيقة

يا ليتها تدنو إلينا بالجمال وبالورد

لكى نعتق فى الهوى كأسين

نمتص من عبق المنى

من هسهسات الريح

من وهج القلوب

ومن رياض الثورة المكتوبة

بالزهور

فى حضن الميادين الكبيرة

فى بلاد العشق

والمجد المغاير

أين أنت يا بصيص الضوء

فى ليلى المكبل بالغيوم وبالظلام

فأين أنت ؟ وأين كنتِ ؟

كيف أسأل أين أنت ؟ وأين كنتِ

فأنت لا شك هنا

معى

هنا

لا

أنت أقرب من هنا

بين الضلوع

تخاطبين المضغة المسكونة

فى فضاء الصدر

تحتلين عن طوع مرافئ الوجدان

يرسل ذبذبات الصوت

فى أذنى شدوا

أنتشي

والآن أخطو

بأحلامى وأرحل فى ثبات النوم

أحتضن الحقيقة

ثم أسكن فى سلام

وبين عينيك الجميلة

ألمح طائر التحرير

ينثر الزهرات على الرءوس

يطوف أودية البلاد

يزف أخبار السعادة

فى صحائفه

تبص موجات من الشهداء

والجرحى

مكللة الورود

تغازل الفلاح بين حقوله

وتبوح للنيل العظيم

عن الكوامن فى النفوس

بغير خوف

فيبوح أيضا ثم يبكى

من لجام الصمت

يرحل فى فضاء الفضفضات

يفيض من ألق الحكايا

أمنيات

يسطرها الصباح الحر

فى أوراقه الخضراء

أزهار الحقيقة

والبراح اللانهائى

اغتسالا

من مساءِ

نحو الصباح البكر

والعهد الحليب

طيور الصباح : شعر : محمود الديدامونى



على ضفة النهر

يا وشوشات الرياح

تروق الأغانى

تزغرد للشمس

أفراخها المستحيلة

تفرد للبوح سرب الأمانى

تفك القيود التى لجمت عمرها

الموبقات

وتترك للعين أمدا فسيحا

تعطّر بالأقحوان

طيورٌ

تهاجر نحو الحياة

وتطلق أرواحها للرياح

فلا تستباح

طيورٌ

تحط على عشبنا المستكين

تغنى لطيبة ...

تترك تلك المدينة

تلحق سربا تمطى فوق السحاب

تهز الغيوم التى أنكرت فيضها

لعمر براح

تفيض السماء

وتمطر فوق البلاد الصياح

طيورٌ تصيح بفجرٍ

تعتّق فى بوتقات الجراح

دماءٌ تسيل

ولكن كزيت ٍ

وقودُ يزيد الكفاح

فلا خوف لا موت لا ليل

لا شيء

إلا طيور الصباح

الأرض بتتكلم عربى الآن شعر / محمود الديدامونى




الأرض بتتكلم عربى الآن

والناس ثوار حراس

ف كل مكان

وأمان مبدور على وش الصبح

المتبعتر فى وشوش الناس

زغاريد احلام

والحلم خلاص

أصبح تراتيل

تلف مآذن

وكنايس

تضرب أجراس

وسلام للروح من قلب الجيش

وأنا وامى واخويا

بندمع من فرحة عيد

ترميها النسمة البردانة

فى قلوب مجاريح

فنصيح

حق المصابيح

ونسافر ويا أغانى النور

والكلمة الحق

والنفس الطاهر

والغيط المليان بالخير

وتسافر أمى ويانا فى أخويا

وتبص لفوق

ونبص معاها

وتنهنه للريح الجاية ساعات

ونطبطب بقلوبنا عليها

فتقول

أنا مش حزنانه عليه يا أولاد

ابنى اللى أخوكم

ضحى لأجل العصفور الأخضر ما يعود

يفرد جناحاته

للريح

فيروح ويعود

أنا مش حزنانه عليه يا حبايبى

ما هو نوّر دربى

وخلانى أشوف الصبح الغايب

وأفتح من بعد ما كنت

خلاص هاروح

ولا أشفشى النخلة المفرودة

بطولها قدام البيت

ولا أشفشى البسمة الموجودة

فى عينيكو الآن

ولا أشفشى اللى بيحصل فى بلادنا

من تونس

وجزاير عدن وصنعاء

عمان

الأرض خلاص

يا حبايب قلبى

بتتكلم عربى الآن

09 ديسمبر, 2010

ثنائية الصراع .. حتمية المواجهة قراءة في ديوان " ما بيننا " للشاعر عماد علي قطري

إن ما يثير الانتباه حقا عند مطالعة ديوان " ما بيننا " (1) للشاعر عماد قطري هي تلك الروح التي تلبس روح الشاعر، فهو في حراك مستمر وصراخ لا يتوقف مع قضية من أخطر القضايا في واقعنا المعاصر،( الصراع العربي الفلسطيني )
فالشاعر عندما يترك لنفسه البوح والنوح يقع كثيرا في فخ الاستمرار وربما حد الاستعذاب، وعندما يكون الهمس تبدو طاقات الشاعر الحقيقية، وهي طاقات واسعة يستطيع أن يلامس بها تخوم الحرية الأوسع، ويمكن له أن يحقق من خلالها وظيفة الشعر، حيث يقول د.إحسان عباس:" إن الشعر كشف ذو مهمتين، تحويل العالم وتفسير العالم،أو كما يقول "بريتون ": إن دور الشعر أن يظل يتقدم دون توقف، أن يكتشف مجال الإمكانات في كل وجهة، وأن يبدو دائما مهما يحدث من أمر- قوة تحريرية ورصدية – وعلى هذا الأساس يصبح انفتاح الشعر للفهم هو العدو الأكبر للكشف، لأن مهمة الشاعر الأولى إخراج اللفظة من الحيز العقلي، حتى تصبح الكلمة قادرة على أن تعبر لا " عن فعالية الروح وحاجتها "أي تصبح ثورة وتصبح لعبة الكلمات بما فيها من إيحاءات صوتية أهم بكثير من قيمتها( السيمانتية ) الدلالية . "(2) .
وقد حمل ديوان " ما بيننا " 22 قصيدة " بالإضافة إلى مقدمة نقدية للأستاذ الدكتور حسين على محمد متناولا فيها العديد من السمات الفنية التى تعبر عن قدرة الشاعر فى استلهام التراث الإسلامي .
ولما كان الأمر كذلك حاولت في هذه القراءة أن اقترب من هذا العمل من خلال ثنائية الصراع .. وحتمية المواجهة " بين الأنا والآخر ، فالعنوان يحمل تلك الثنائية "ما بيننا" أشياء معلقة بين طرفين ، وسأحاول أن أبحث عن التوازن في القوى بين الطرفين ، من خلال مجموعة من الأسئلة الملحة موضوعيا في المقام الأول مثل :
- ما الذي يملكه طرف على حساب الطرف الآخر ؟
لماذا يصر الشاعر على تلك الثنائيات ..؟ ما المعطيات التي مكنت الشاعر من التمسك بتلك الرؤية التي أظنها للوهلة الأولى ( أحادية ) باعتبار أن الطرف الثاني ليس في المواجهة المباشرة، ولا ينتمي إلى لغة الحوار التي انتهجها الشاعر للبوح ؟
لماذا يركن الشاعر للاستدعاء التراثي مخاطبا في بعض الأحيان تخوم المستقبل متجاهلا عتبات الحاضر ؟هل ما زال هناك مساحة للحلم والخلاص ؟
الحقيقة أسئلة كثيرة موضوعية يطرحها الديوان .. سأحاول ما استطعت الاقتراب من البحث عن إجابات ممكنة.كما لا يجب أن ننسى أن الشعر له ماهيته الفنية والوظيفية التي يجب أن نتعامل معها بعيدا عن الصوت العالي الذي يجمح نحو الإصلاح السياسي أو الاجتماعي، ولذلك لابدأن نبحث في شعرية النص الشعري من خلال لغته،فالشعر كما هو معروف،إنشاء لاحق، غايته التعبير عن العلاقة المعقدة القائمة بين الإنسان والعالم. وهي علاقة ذات طبيعة خاصة تختلف، رغم ما فيها من ثوابت، باختلاف الأشخاص والإيقاع الحضاري السائد في كل عصر. ولذلك فإن المنهج أو القاعدة الثابتة لا وجود لها في عالم الإبداع الشعري إلا في الإطار العام الثابت.
لأن الالتزام بالتفاصيل الدقيقة يجهزُ أحياناً على لغة الإبداع ويقتل القدرة على الخلق، ويقود الشاعر إلى التكرار وإعادة قول وإنتاج ما سبق قوله وإنتاجه.(3)
الحقيقة أن الشاعر وفق في الإشارة إلى الراوي في قصيدة ما بيننا موضحا أنه الطفل الفلسطيني الذي يقف في مواجهة العدو الإسرائيلي مخبره ومحدثه قائلا : (وطني .. وأرضي .. والسماء..وبحرنا حق لنا)
لقد افتتح الشاعر هذا الديوان بتلك المصادرة على الآخر .. والتمسك بالحقوق تلك المصادرة في الحقيقة لم تأت من فراغ لأن الطفل راح يعدد أسباب الصراع فيقول :
ما بيننا وطن لا يقبل التقسيم
ما بيننا موت وتضحية
ما بيننا طفل صغير
غيّبت نار " الأبتشي "
بسمة الوجه الصبيح
ما بيننا أشلاء أطفال قضوا
مزقتهم ..
أسكنتهم ذاك الضريح
ما بيننا حرب وأسري في الفيافي
خنتهم .. قتلتهم ...
ودم .. يسيح
إن الشاعر / اللاجئ قدم أسبابه المنطقية للصمود والدفاع عن هويته وتراثه وأرضه ودمه، ولعل ثنائية: نحن/ الآخر من الثنائيات المتداولة في الخطاب الفكري العربي الحديث والمعاصر، وهي تكاد تكافئ من حيث الدلالة ثنائيات متداولة أخرى مثل:
الشرق/ الغرب- الأصالة/ المعاصرة- التراث/ الهوية- الداخل / الخارج..... وسوى ذلك من الثنائيات المكافئة.
والفكر العربي الحديث منهمك منذ بدايات ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة، في عملية كبيرة، هدفها البحث عن الذات، أو بالأحرى عن خصوصية محتملة، نتيجة ما يعانيه من شعور حاد بفقدان الهوية، فالمحيط " المادي/ الاجتماعي/ الاقتصادي/ الثقافي/..." الخاص، لابد أن ينتج فكراً ذا خصوصية، سواء من حيث المضمون الذي يعكس هذا المحيط،أو من حيث الطريقة والأدوات، والأساليب، وبناء الأنساق والمقولات، والمعايير الفكرية، التي تشكل في مجموعها منظومة متمايزة، يتم في ضوئها التعامل مع هذا المحيط.(4)
فقدم الشاعر النتيجة التي عمد إليها اللاجئ / الراوي حين قال :
إني أورث طفلتي كرها
يغيظكمو
يحيل سماءكم خوفا .. وريح
إني أرسخ في ضمير الطفل
أدعية
بها يسمو على الكون الفسيح
إني أحفظ طفلتي
في كل صبح
آية " لا تحسبن ..."
قول صريح
لعل هذه الخاتمة لتلك الفقرة هي من جماليات التعبير النفسي والدلالي في القصيدة ، حيث جاء التوظيف القرآني مكثفا ودالا ومعبرا عن حتمية المواجهة داخل هذا النص الشعري ، فقط مـما أوقع الشاعر في الاسترسال رغبة منه في التمسك بالموسيقي الداخلية والقافية ، مما أدى إلى التكرار غير المبرر أحيانا ، والعودة إلى تكرارية المشهد في أكثر من موضع في جسد القصيدة الواحدة أحيانا أخرى ، رغم أن شعر التفعيلة ينأى بنفسه عن الوقوع في مثل هذا الفخ ، والشعر للحقيقة كما نعلم جميعا التكثيف وعدم التكرار أو التفسير إلا إذا كانت هناك مبررات لذلك
والشاعر هنا قد عمد إلى التكرار كثيرا في هذا النص عبر الفقرات الثلاث التي حملت الجسد الكلي له ، وهو من سمات الشعر الإسلامي الذي هو في غالبه يتأثر بالقرآن الكريم من أجل التقرير والتأكيد (5) ، حيث جاء التكرار هنا على شكل هندسي متقن يعبر عن منحنى ينطلق حتى يصل إلى ذروته فيعود في الانخفاض ولكن يظل في مستوى أعلى من مستوى انطلاقه ، فقد جاءت الفقرة الأولى بسبع تكرارات ، تتعلق بكلمة " ما بيننا " وقد حوت في مضمونها التمسك بالأرض والدم والعرض ... الخ .. بينما حملت الفقرة الثانية إلى المساءلة التاريخية والسياسية محددا موقفه من اتفاقيات السلام ، فيقول :
ما بيننا ماض لنا .. ودم لنا ..
لا ينمحي بالحبر
في عقد السلام
وهو بذلك يرصد تاريخ الآخر من خلال أفعاله القائمة علىالجهالة والغدر ، ويقر بأن الأمر ليس في تلك الأشياء :
ما بيننا ليس الحصار
وقطع تيار
وحظر تجول بين الخيام
إنما الأمر يتعلق بمذابح نفذها الآخر ، وهي الكفيلة بخلق كل هذه المرارة وذلك الحنق والاستنفار فيقول:
ما بيننا ليل بـ "يافا"
لقد كررت تلك الافتتاحية " ما بيننا " إحدى عشرة مرة في الفقرة الثانية ،ثم يكررها تسع مرات في الفقرة الأخيرة ، وهنا تتضح لدى المتلقي من خلال القراءة الإحصائية ، أن الصراع قد بدأ في الانطلاق بقوة حتى وصل ذروته ، ثم انخفض ذلك المنحنى من جديد وبقوة أعلى من قوة الانطلاق ، بمعنى أن الخلاص من ثنائية الصراع لن تكون حتى يعود المنحنى إلى مستوى أعلى من المستوى الذي وصل إليه في ذروته .. هذا من حيث الإحصاء والمنحنى البياني للنص ..
أما من حيث التكرار الذي أخذ القصيدة إلى معاودة الأشياء دون أن
يكثف الشاعر المعنى ويكتفي بالفقرة الاستهلالية الأولى التى تمثل مفتتح النص التى يقول فيها مكررا الدلالات والمعانى :
ما بيننا موت وتضحية
ما بيننا طفل صغير
غيّبت نار " الأبتشي "
بسمة الوجه الصبيح
ما بيننا أشلاء أطفال قضوا
مزَّقتهم ..
أسكنتهم ذاك الضريح
ما بيننا حرب وأسري في الفيافي
خنتهم .. قتلتهم ...
ودم .. يسيح
يدل على ذلك هذه الدلالات التى تقترب فى معناها من االتصريح المباشر مثل تركيب ( دم .. يسيح) خاصة بعد كل ما ذكره الشاعر من موت وتضحية وحرب ... الخ وهذا أيضا يتفق مع قوله بالفقرة الثانية من نفس القصيدة " :
ما بيننا تاريخ قصف مظلم
وأب يطالب أهله بالانتقام
".... "
ما بيننا دم طفلة مقتولة
لم ترتقي – يا مجرما –
حد الفطام
ثم يقول في الفقرة الثالثة من القصيدة :
ما بيننا طفل يموت
مع تكرار لذكر المذابح عبر الفقرات فسبق أن قال :
ما بيننا ليل بـ "يافا"
وها هو يكرر ثانية
ما بيننا صبرا وشاتيلا
وقانا .. والدماء
والأمثلة كثيرة داخل هذه القصيدة ، لكن رغم كل ذلك تبقي حاملة داخلها عمق الصراع وحتمية المواجهة بين طرفين أحدهما يقف على أرض ثابتة بما يحمله من أصالة وتاريخ وتراث ووعد من الله بالنصر، ومن صور تترى من صور الصراع بين الطرفين كانت الغلبة فيها للأبطال المسلمين أمثال أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب أو القائد البطل صلاح الدين الأيوبي ، وجاء التوظيف لتلك الشخصيات والاستدعاء معبرا عن توق حقيقي للفكاك والخلاص ويؤكد الشاعر في هذا النص على أن اليهود / الطرف الثاني لا عهد لهم توافقا مع ما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عندما ختم القصيدة من منطقة معاصرة تتوافق مع تلك المنطقة التراثية فيقول :
مات الصغير
ولم يكن جبنا يصيح
وإنما غدرا سلبتم مضجعه
مات الصغير
وموته عار لكم
سقطت تخاريف السلام
ومن معه
إنا سنأخذ ثأرنا منكم غدا
نقتص منكم
للشهيد بأربعة
وقياسا على تلك القصيدة تأتي قصائد " مجهول " " فرادى " " لهم " " دمي ليس ماء " ... الخ
وقصيدة دمي ليس ماء " يقدم فيها الشاعر قصيدة مميزة وتعبر عن
شاعر تجربة حقيقية يمتلكها شاعر يمتح من مروج الشعر الكثير والكثير ، كما أن توظيفه للشخصيات التراثية المستدعاة من التراث الإسلامي كان موفقا ومكثفا ودالا ولنذهب إلى تلك الصورة الشعرية التي بدأ بها هذه القصيدة لنتعرف على تلك الطاقة الشعرية التي يمتلكها فيقول :
دمي ليس ماء
وجرحي ابتداء
نزيف الجراح التي أجهدتنا دماء
دمي ليس ماء
ونبض العصافير
عند ابتداء الرحيل اشتهاء
هنا خفقة البدء ليست رجاء
فنحن الصغار الذين احتوى قلبهم
موسم النصر
في ربا الانتماء
وربما فرضت علىَّ هذه التجربة تذكر قصيدة " لا تصالح " لشاعرنا الكبير أمل دنقل ، عندما يكرر ويقول :
دمي مثل ...
لا...لا ...
دمي ليس شبه المياه انحنت للخواء
دمي ليس شبه الدروب استطابت
خطى الأغبياء
دمي ليس إلا دمائي
دمائي دماء
دمي ليس ماء
وبالطبع كلنا يتذكر قصيدة " لا تصالح " وما بها من مزاوجة بين الأنا " والآخر " ، حيث ركز ( دنقل ) في قصيدة من خلال التكرار على أن دم الأخ ليس كدم العدو المغتصب ، فالبون شاسع ، ولا مجال للتخاذل على الثأر ، لقد كان التكرار مبررا تماما عنده ، لأنه فيها قد استثار داخل كل عربي الدافع للثأر، ووضعه أمام مسئولياته ، بينما نلحظ معا تلك الافتتاحيات المتكررة لتلك القصائد لشاعرنا ( عماد على قطري )يقول مفتتحا :
ليس للبيع ... قصائد ( دم الياسمين –فستان يارا – أم – طفل – مفتاح – القصاص ..القصاص.. القصاص – قطرة .. من دم –طفلة – قطرة .. ورمل .. ) بل إن الافتتاحيات جاءت في بعض القصائد السابقة متطابقة تماما عندما يقول : ليس للبيع هذا الوطن
وإن دلت هذه التكرارات فإنما تدل على أن الشاعر مهموم حتى النخاع بقضية الوطن وحتمية المواجهة .. لأنه ليس من مجال للصمت أو كبح جماح النفس البشرية التواقة للحرية والخلاص.
ولقد وجدت الكثير من الإجابات التي طرحها هذا الديوان على ذهني ، فها هو الطرف العربي المسلم يملك معطيات وجوده وآليات صموده في مواجهة المغتصب المحتل الذي يقف على أرض واهية لن تنصفه رغم تجبره ومذابحه المستمرة ،لأنه يزيد الوقود تأهبا للاشتعال.. وإحداث الدمار ، كما أن القفز على الحاضر يعد نوعا من الاحتجاج على الصمت الذي يعيشه واقعنا المعاصر، مرتكنا على ميراث كبير من المواجهات الثنائية بين الطرفين وكانت النتيجة تصب في صف الطرف المسلم ،
بالطبع ستظل مساحات الحلم بالخلاص موجودة ما دمنا نملك تلك الروح التواقة للخلاص فيقول الشاعر :
هنا حلمنا لم يزل ممكنا
هنا بعضنا لم يزل يرقب الوضع
يرنو لطيف دنا
أخي قادم
خلف هذي المساءات يأتي
كفجر أبي السنا
هنا حلمنا لم يزل ممكنا
سيظل الحلم قائما رغم صعوبات الحاضر ، فهناك أخ قادم خلف المساءات ، سيجيء بالفجر الذي يبدد معه ظلمة الليل ، وظلمات الحاضر. فما أروع أن تظل شجرة الحلم تكبر داخلنا ويظل الشعر دافعا للبوح وللثورة وللحياة .
ومن خلال هذه القراءة تتجلى العديد من الإجابات على ما طرحناه من أسئلة في صدر الدراسة ، فيما يتعلق بحتمية الصراع بين طرفين واستدعاء الشخصيات التراثية واستثارة الذائقة العربية والمسلمة من خلال الأحداث التاريخية المؤثرة في تاريخ العلاقات بين الطرفين ، لقد أجاد الشاعر في الكثير مما طرحه لنا من خلال تجربته .

الهوامش والمصادر:
1. ما بيننا – عماد على قطري –أصوات معاصرة-2..3م
2. اتجاهت الشعر العربي المعاصر – د. إحسان عباس – عالم المعرفة ص7 العدد 2 فبراير 1978 .
3. شعر الواقع والكلمات – د. ضياء خضير 2000 ص12 – اتحاد الكتاب العرب دمشق )
4. نحن والآخر –محمد راتب الحلاق- اتحاد الكتاب العرب 1997 م دمشق
5. الإسلام والشعر – د. سامي مكى العاني عدد66 – 1996 عالم المعرفة ص185



05 ديسمبر, 2010

صدور رواية نزف لمحمود الديدامونى





صدرت رواية نزف لمحمود الديدامونى
عن سلسلة خيول أدبية التى تصدرها محافظة الشرق بالتعاون مع هيئة قصور الثقافة
الرواية تعد الرواية الثانية للكاتب الديدامونى بعد رواية " واسمه المستحيل " الصادرة في
२००७
كما أصدر من قبل مجموعتين قصصيتين هما " اتراني أحيا حقا " و" ليست كغيرها "


20 مايو, 2010

نقاش ساخن حول التجربة الإبداعية والتجليات النفسية في ديرب نجم-- كتبت الجمهورية

نقاش ساخن حول التجربة الإبداعية والتجليات النفسية ***أدباء ديرب نجم احتفلوا مع مبدعي 5 محافظات بعيد ميلاد مؤتمرهم العاشر **** نقاد يطالبون بالتحليل النفسي لشخصية نجيب محفوظ حتي نفهم إبداعه
أدباء يسألون:من السبب في ديكتاتورية المرأة॥ الرجل أم المرأة أم المجتمع॥ ** طغيان الأنوثة أم ضعف الرجولة؟

مع "التجربة الابداعية والتجليات النفسية" احتفل ادباء مدينة ديرب نجم بالدورة العاشرة لمؤتمرهم الذي يعد رائد مؤتمرات اليوم الواحد في مصر شارك في الاحتفالية مجموعة من الكتاب والمبدعين والمثقفين والسياسيين والتنفيذيين.
قال محمود الديداموني رئيس نادي الأدب لابد أن يكون الأديب حرا. ولا يمكن للكتاب أن تحد طموحاتهم الميزانيات. فالكتابة الحقيقية تنطلق من الذات إلي المجموع. معبرة عن كل التيارات الثقافية والاجتماعية والسياسية.
عبر الأمين العام للمؤتمر الشاعر علاء عيسي عن فرحته بقوله: اليوم أصبح لدينا مؤتمر يحمل كل عام عنوانا جديداً وأهدافا متجددة. فصرنا نفكر فيه كما نفكر في إبداعنا وربما يحتاج الأمر إلي وقفة مع النفس. للوقوف علي مدي تأثير ذلك المؤتمر علي ابداع القائمين عليه سلبا وايجابا.. والسؤال الذي يلح علينا دائما.. هل فعلا أسهمنا في تحريك الراكد في واقعنا الثقافي؟ نطرح تجربتنا علي هذا الواقع للتقييم. فإن كنا قد نجحنا فلا مفر من تقديم يد العون بمزيد من الدعم. وإن كنا قد ابتعدنا. فلا مفر من الانصات والاسترشاد بآرائكم ودراساتكم.. حاولنا وحاولتم معنا.. وسيبقي الابداع ما استمرت الحياة.
أما رئيس المؤتمر الروائي محمد جبريل عبر عن حميمية العلاقة بديرب نجم مكانا وكتابا خاصة د. حسين علي محمد ود. صابر عبدالدايم وبدر بدير ومحمد سليم الدسوقي وتعرض لعنوان المؤتمر مشيراً إلي عبقرية العنوان. وضرورة أن تتخذ المؤتمرات الأخري هذا السبيل من التحديد الدقيق للعنوان من أجل الخروج بقيمة ابداعية حقيقية في مجال بعينه بعيدا عن العناوين المائجة غير المحددة.
محمد مرعي مدير عام ثقافة الشرقية: نجحتم في اثبات جدوي مؤتمر اليوم الواحد الذي وفر هدر الفلوس التي كانت تنفق في مؤتمر الأيام الثلاثة.
تكريم
تم تكريم الأدباء مصطفي السعدني ومحمد جبريل وحزين عمر ورؤساء المؤتمرات السابقة ومنهم بدر بدير ود. صابر عبدالدايم ود. أحمد يوسف وسامي فريد وغيرهم.
الأبحاث
دارت الجلسة البحثية الأولي حول علاقة علم النفس بالأدب من منظور نظري حيث قدم د. صابر عبدالدايم ورقة بحثية أكد فيها أن التجربة الأدبية منبعها النفس.. وباعثها الانفعال الصادق. فهي استقبال واع للأحداث. وهي في أرقي تصور لها تتعامل مع أثر في الجلسة البحثية الثالثة ناقش حزين عمر بعض الهموم المسرحية من خلال المقارنة بين ديكتاتورية المرأة عند هالة فهمي في مسرحيتها نساء ماريونت متسائلا ما الذي يجمع بين هذه المسرحية ومونودراما عبدالله مهدي في"عودة النوق العصافير"؟ ويستمر السؤال عن السبب في ديكتاتورية المرأة أهو الرجل أم المرأة نفسها أم المجتمع؟ أهو طغيان الأنوثة أم ضعف الرجولة؟ أم هو مشيئة كل من الكاتبين هالة وعبدالله؟
تناول العربي عبدالوهاب رواية عصا أبنوس لمحمد عبدالله الهادي مؤكدا أنها تتعرض لمفهوم خلخلة بنية المجتمع التي أصابت مدن وقري ونجوع مصر بسفر العمالة المصرية إلي الدول النفطية في حقبة السبعينيات.
قدم محمود الديداموني ورقة بحثية عن القصة الجديدة من خلال مجموعات ثلاث "عندما تموت القطط" د. محمد نجيب عبدالله. وتواصل العطش لمحمود أحمد علي وفي انتظار القادم لمحمد عطية محمود معتبرا أن الكتاب الجدد يعيدون هضم الواقع وكتابته بطريقة مكثفة تعبر عن ايقاع العصر. وهي قصة واقعية تقترب من الجو الفانتازي في كثير من الأحيان . ثم قدم الناقد أحمد رشاد حسانين ورقة بحثية عن رواية واسمه المستحيل للديداموني متناولا فاعليات التعويض في تلك الرواية.
شعر الفصحي
في الجلسة البحثية الرابعة تحدث د. نادر عبدالخالق عن شعر الفصحي من خلال دراسة تحت عنوان الأدب وقضايا النفس الإنسانية بين النظرية والتطبيق.
مؤكدا تماهي الصورة النفسية وسيرها في ركاب النزعة الرمزية التصوفية ذات الدلالات المتعدية. التي تجمع بين رغبات النفس وطموحات النص وأن النفس الإنسانية هي مصدر الابداع وهي القادرة وحدها دون غيرها علي ذلك.
الشاعر نبيل مصيلحي قدم ورقة عن المؤتمر في عيون الصحافة والإعلام. أدار الجلسة الشاعر علاء عيسي الذي أكد أن مؤتمر ديرب نجم قدم 102 باحث و202 مبحوث خلال دوراته العشرة وعبر عن الحركة الأدبية بكل جامعاتها ومؤسساتها الثقافية من خلال الملف الذي أعده مع الديداموني في نهاية كتاب المؤتمر مع ملف خاص بما كتب في الجمهورية عبر نادي أدباء الأقاليم والمساء الأدبي وحريتي والأهرام.
شارك بالمؤتمر عدد كبير من المثقفين والمبدعين ورجال الثقافة.
قدمت د. زينب العسال ورقة بحثية أشارت فيها إلي أن علم النفس. في بعض الاجتهادات - هو الجسر الذي تعبر عليه الرواية بين عالم الحلم وفي الشعر وعالم الواقع. وعلي اعتبار استفادة علم النفس من الأدب وليس العكس. لذلك من المهم أن يكون اهتمام علم النفس بدراسة الفنون والإنسانيات.
تناولت د. عطيات أبو العينين في ورقتها النقدية مسألة الاغتراب الابداعي من خلال رواية قنديل أم هاشم للاديب الكبير يحيي حقي قائلة: إذا أراد الإنسان أن يحقق ما هيته بصفته مبدعاً حقيقيا يخرجها من حيز الوجود واللامكان اسم حيز الفعل وهذا النوع من الاغتراب مقبول لأن الإنسان سيطر علي أعماله الابداعية ويستخدمها لانماء روحه والتعرف عليها ثم إن الاغتراب من حيث المبدأ نتاج الإنسان. فمن خلال العمل الجماعي يغير هذا الإنسان الطبيعة من حوله.
خضوع الكاتب للتحليل
صلاح معاطي أكد خلال ورقته البحثية وجوب خضوع الكاتب نفسه لدراسة نفسية فقبل أن نقوم بتحليل شخصيات نجيب محفوظ. مثلا من المهم تحليل شخصية نجيب محفوظ نفسه حتي نستطيع أن نتعايش مع أشخاصه ونفهمه.. ثم متناولا روايتي هوس النرجس والسلمانية وبعض القصص ذات الملمح النفسي كقصة محجوب بالمقلوب.
في الجلسة البحثية الثانية تناول إبراهيم حمزة الابداع السردي من خلال ورقة بعنوان تجليات النفس في النص الأدبي - أنسنة الشخصية في السرد المعاصر لبعض كتاب الدقهلية فؤاد حجازي في المشي للخلف والشمس لا تغيب كثيرا لمحمد خليل والسعيد نجم وشخوصه الحزينة من خلال روايتيه دوامات وزقائق عصفور. وفرج مجاهد من خلال مجموعته أحلام عاجزة ورضا عودة من خلال روايته مقهي قدوس حنين معبرا عن متعة السرد وآلام التلقي.
تناول فكري داود القصة في دمياط من زاوية مهمة تتعلق بالكاتب نفسه من خلال ظاهرة الاختلاف. لكل من زغلول الشيطي ومجموعته ضوء شفاف ينتشر بخفة. ثم ظاهرة الحرفيين لمحمد مختار ومجموعته قلب جمار عزيزة.
تناول صبري قنديل قصص كتاب القصة في الغربية موزعة علي المحلة وطنطا وكفر الزيات حيث تتجسد مشهدية القص في الغربية من الابداع المتميز.

08 أغسطس, 2009


السيرة الشعرية لشعراء الشرقية "الرؤية والأداء " دراسة فى نماذج دالة د. محمد سيد على عبدالعال ( تربية العريش )






* الأماكن كالبشر ، لكل مكان ملامحه وسماته وروحه ، وسحره ، وجاذبيته ، وشخصيته المستقلة ، التى تحدد خصاله ، وسمات تفرده ، وعوامل الانجذاب غليه ، أو النفور منه .
وشعرنا العربي كله هو شعر المكان ، ومن يقلّب صفحات الديوان العربي يلمح هذا الحضور الطاغى للمكان فى المعمار الشعري .
وغذا كان المكان والزمان معا يمثلان الوعاء الذي يحتوي وجودا ما ، فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه أن يمنح هذا الوجود معنىٌ ، ويبث فيه روح الحياة بما تحمله الكلمة من عمق واتساع .
فإذا صار الإنسان شاعرا فهو الأقدر على تمثيل هذه الحياة فى صورة تبعث الإحساس مهما تطاول الأمد ، وتغيّرت معالم المكان .
المكان – هنا – هو الشرقية بكل ما منحها الله – عز وجل – من عبرقية المكان ، وغذا كان لكل مكان استراتيجيته التى تسمه عن غيره ، وتصبغه بصبغة خاصة تطغى على ما سواها ، ولا يظهر سواها إلا متلبسا بها ، ومتضمنا إيّاها ، فإن الشرقية ترتبط بانها مسقط رأس النبى موسى – عليه السلام – وطريق خروجه مع قومه من مصر .
وهي خط سير العائلة المقدسة ، ومكان مبيتها ليلة واحدة ، والأهم من هذا كله أنها خط سير أحفاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى مصر بعد استشهاد الإمام الحسين .
منها دخل الإسلام مصر ، ومن خلالها – أيضا – جاء إلى مصر أحفاد نبي الإسلام الكريم ، كما كانت مسرى الأنبياء والرسل ، حيث جاءت العذراء مريم فى رحلتها إلى مصر .
ولا غرو أن تتخذ من الحصان شعارا لها ، ومن مفارقات القدر ان تتخذ من التاسع من سبتمبر عيدا قوميا لها ، لأنه اليوم الميمون الذى تفكِّر فيه ، وهو المقصود بمفارقات القدر ، بل لأنه يوم وقوف ابن مصر البطل أحمد عرابي فى مظاهرة عابدين ثائرا لمطالب الشعب المصري كله .
وأمّا مركز ديار بنى نجم / ديرب نجم ، الذى ترجع تسميته إلى نجم الدين الأيوبي الذى عسكر بجنوده فى هذه المنطقة أيّام الحروب الصليبية ، وقدّم أهل المنطقة كل العون للقائد وجنوده ، فإنه رغم كونه ثامن مراكز المحافظة من حيث المساحة ، فهو من أعظم المراكز اهتما ما بالأدب والثقافة ، وهو درّة مضيئة فى وجه مصر المشرق.
من هنا تبدا المسيرة الشعرية التى تحمل عبق هذا التاريخ الحافل بالإسلام والعروبة والوطنية .
لقد حمل طين أرضها ملامح التاريخ ، فامتزج المكان بالزمان ، فكان هذا الإنسان .
إنه الشرقاوي الأصيل الذي ارتبط باسمه الحاكايات الشعبية التى كانت تلابيب النجاة ، ومصدر القوة فى أوقات الضعف وقلعة الحماية ، ومشرق الحرية حين يستبد الطغاة ، ويغيب الفجر ، ويطول الليل .
لعلى لا أجد مدخلا أنسب من هذا التناول .. السيرة الشعرية لشعراء هذه المنطقة المباركة التى ألهمت خيال أبنائها ، وشدّت أوتار القلوب ، فعزفت ربذة الشعر على قيثارة الإلهام ، فطرب الحيُّ ، وهفت غليهم الأحياء .
يعد الشاعر المخضرم بدر بدير سيرة شعرية لهذا المكان بما يحمله من عظمة الدين ، وجلال الوطنية ، ونخوة العروبة .. كتب سيرته الشعرية فى دواوينه ، نجدها فى كل ديوان له ، بل فى كل بيت من أبيات شعره ، ولخّص المسيرة فى كلمتين شاملتين ، فيما يمكن أن نسميه بتعريف المناطق الجامعة المانعة " دموع وابتسامات " كما قال هو : " وهل هناك درجة من درجات الصدق النفسي أكبر من انفعال الحزن والفرح " . ( مقدمة ديوانه – ص6 )
وإذا كانت السيرة الذاتية للإنسان لا تتجلّى إلا بما يتصل به من شواهد ومشاهد ، فإن بدر بدير ، وهو شاعر حتى النخاع ، يعيش الشعر ، الشعر عالمه وديدنه ، موسيقاه فى أذنه ، ومعانيه حاضرة فى عقله ، وخياله ماثل فى وجدانه .
وهو لا يهيم فى كل واد كما يهيم الشعراء الذين زمّهم ربُّنا – عز وجل – ولكنه ينطلق من رؤية دينية لا يتحملها ، ولا يتكلفها ، بل اختمر فيها وجدانه وعقله ولسانه ، فنطق بها شعره ، ولذا يمكن تصنيف شعره كله بأنه يقع فيما يسمى بالشعر الإسلامي ، حتى فى وجدانياته لاتسيطر عليه امرأة غير زوجته التى ينطلق منها ، ويعود غليها حصانا عربيا جامحا ليس كل الجموح ، بل هذبته حضارة الإسلام بىدابها ، وثقفته الثقافة العربية الأصيلة المحافظة .
ولا عجب أن نجد للشعر عنده رسالة بعد ذلك : اولها دينية يتوجه بها إلى ربه مناجيا وداعيا : يا رب
( يار ب -17 بيتا من مجزوء المتقارب والقافية المقيدة : بديوانه ص9 )
لأن اتساعك فى الأفق يبدو لى الأفق أرحب
لأن أريجكّ فى الزَّهر أصبح أبهى وأطيب
وسرّك فى العقل يا رب سوذاه أزكى وأنجب
وهذا الفيض الإلهى لا يجعله يسبح سبحات الصوفية المتولهين ، او يغمض غموضهم ، او يبعد فى شطحاتهم ، أو يسرف فى رموزهم ، بل تمتلكه الثقافة العربية الأصيلة ، واعيا بادوات الترابط النصى التى تجعل القصيدة كلاّ واحدا ، ودفقة شعورية واحدة ، لا يشتتها معنى غامض ، او لفظ نافر ، أو صورة بعيدة ، تسير قصيدته سيرا منطقيا على طريقة العلل ، او المقدمات والنتائج ، ولذا فقط مهر فى استخدام معنى الشرط المنطقى الذي يوفِّر له هذه الخصيصة فيصير كالنظام يسلك ابيات القصيدة فى عقد نضيد يأخذ بالألباب والأفئدة :
لأنك فى الأذن فهى لشدو البلابل تطرب
لأنك فى الليل صار ملاذا لمن هو متعب
لأن جمالك فى العين تعشق كل مهذَّب
لأنك حولى وفيَّ فدربي أمانٌ وأقرب
لأنك فى كل صوت جميل به الروح تُعجب
ويظل هذا الشرط السلسال الذي يخاطب به الأفئدة ، فتستكين فى سلاسة وعذوبة ، ويسلم العقل قياده لهذا المنطق المطواع ، ومن خلال صورة شفافة تاتى فى سياق الشرط نفسه :
لأنك فى الفجر فالنور نهر على الكون يُسكب
وتأخذ منطقة القافية ثراءٌ دلاليا عن طريق الأفعال المضارعة والمشتقات التى تتوالى ، وتتعانق فى إثراء بعضها البعض ، فتتضفر المعانى واعيا – أيضا – بما تصنعه موسيقى المتقارب من قفز سريع ، ولكنه لا يتركه يجمح فى سرعته ، فيولد هياجا أو ثورة لا تناسب نفسه الهادئة المطمئنة الوقور المليئة بالإيمان والسكينة ، فيكبح جماح تفعيلاته المتوالية باجتراء تفعيلتين من تفعيلاته ليهدئ من سرعته الوثابة ، فيأتى مجوءاٌ ، ولا يكتفى بذلك ، بل يهذب أكثر واكثر فيستخدم القافية المقيدة التى تقلل من غلواء المتقارب ، ولذا لا يتوالى التضعيف فى القافية بكثافته الدلالية إلا فى آخر الأبيات لياتى الختام الدعائى مناسبا لهذه المناجاة الإيمانية الشفيفة :
لأنك فى القلب كل الذى فى وجودي محبَّب
لأنك فى القلب أدعوك يا رب ألا أُعذَّب
من لإيمانه ينطلق بدر بدير محلقا فى كل المعانى بقلب مفعم بحب الله والخوف منه ، ولذا فالحبيبة – دوما – هى الزوجة ، يقول فى قصيدة سردية طويلة ( عشرين بيتا من المتقارب ) ساردا لنا حكاية أربعين عاما فى قفص الزواج الذى يضفى عليه هالة التقديس والحب الصادق وبالغ الاعتزاز ، فيجعل منه قفصا ذهبيا بانيا عنوان قصيدته على بنية الحذف فى الأسلوب الخبري ( أربعون عاما فى القفص الذهبي ) ويستخدم هذه البنية الخبرية بما يتلاءم مع أسلوب السرد وهدوء الحياة الزوجية فى القصيدة كلها ، وهنا يُثوِّر طاقات بحر المتقارب ليلائم نشوته وسعادته بهذه الزوج المثال او المراة الاستثناء ، كما رسمها لنا من مخيلته هو ، وما خبره فيها من تقى وورع وإيمان ، فكانت نعم السكن ، كما جاءت قافية العين الموصولة بالألف ملائمة والمردوفة بالياء والواو على التبادل ملائمة لهذا الاعتزاز بهذه الزوج الصالحة .
يعتمد بنية الحذف فى مطلع سرده الشعرى ، ومسرّعا البنية السردية تاركا لخيالنا ان يتوقع المحذوف ، وتترى الأبيات فى سرد الحاضر واستباق المستقبل لنبنى نحن الماضى الماضى ، فننعم بلذّة بناء النص كما نعم هو بلذّة بناء العش : ( ديوانه ص11،12 )
ومرّت بنا الأربعون سريعا * ربيعا جميلا يضمُّ ربيعا
وما زلت فى الروض زهرة فلٍّ * ودوحة ظلٍّ وشدوَّا بديعا
يمرُّ على بيتنا موكب الدهر * هونا ألوفا رضيَّا وديعا
وهو لا يفتأ يكرر المعانى الدينية التى ملكت عليه فؤاده ، وشكّلت شخصه وشعره ، فمع أن الزوجة صارت هى الكتاب والمكتوب والروض والزهور والحلم المتحقق دوما :
وصِرت كتابي وديوان شعرى * وروضي وحوضى زهورى البديعا
وحُلمى الذى لا يفارق صحوى * وفى القلب أحفظه ان يشيعا
وهى الزوج والأم والأخت والأهل والحصن الحامى :
لقد صرت زوجا واما وأختا * واهلا ودارا وحصنا منيعا
فهو يعود فى الختام ليضفر هذا الحب الذى ملك عليه فؤاده بأسمى معانى الشفاعة عند اله عز وجل وبعد رسوله الكريم :
أحبك صبحا وظهرا وليلا * أحبك صيفا شتاءٌ ربيعا
أحبك دنيا أحبك أُخرى * وارضاك بعد الرسول شفيعا
هكذا تنبثق شاعرية بدر بدير من معين إيمانى ثر لا ينضب ، منه ينطلق فى " نداءات لاجيء " فيعالج قضايا وطنه القومية فى قضية اللاجئين الفلسطينين ، موجها رسالته إلى الأمة ( الديوان – نداءت لاجيء 29 بيتا من الخفيفص16، 17 ) :
أيها الناعمون فوق حرير * هل رأيتم هذا الشريد المُصابا ؟
يا ضمير الأحرار فى كل شعب * ينشد العدل منهجا وطلابا
أدرك العدل قبل أن يطفئ الشمس أُناس تنصَّبوا أربابا
أدرك اللاجئين من رهبة الموت * لنار النوى فماتوا اغترابا
وهو – هنا – يثوّر بنية التكرار ، ويستخدم الإنشاء بكثافته الشعورية الانفعالية وحضوره مناسبا بين نفسه الثائرة ودعوته إلى أبناء وطنه أن يدركوا هذا اللاجيء الذى لا يمثل شخصا ، بل يمثل أمة تحتضر فى مواجهة من تنصّبوا أربابا ، وهو يحذرنا جميعا قبل أن تغيب شمس العدالة ، ولا يفوته أن يصور بعض فجائع الصهاينة لعلنا نشاركه ثورته ونضع أيدينا معا مرة ثانية فى مواجهة هؤلاء الصهاينة الذين أذلوا رقابنا ، ونهبوا أرضنا ، ودنسوا اعراضنا ، فسيطر علينا الاكتئاب واختفى البدر الوليد :
سامك الخسف والهوان بنو * صهيون حتى لقد أذلُّوا الرقابا
نهبوا الأرض دنسوا العرض عمدا * فاختفى البدر فى السماء اكتئابا
مزَّقوا حرمة الطفولة جهرا * وضمير الأحرار فى الكون غابا
ومن قضية فلسطين إلى قضية بغداد ، ومن مشاعر الحج إلى مشاعر العمرة ، ومن قضية اللاجيء غلى قضية الشهيدة ليلى ، ومن تدنيس المقدسات فى القدس إلى انتهاك العروبة فى بغداد ، ولا يجد مفرا من العودة إلى أيامنا الأولى التى شهدت عمرو وعمرا وعكرمة فى مواجهة جحافل الشرك والوثنية بعد ان تركنا المرأة الخضرة التى كان الهوى والحب يطلبانها ، فتقدم روحها فداءٌ للرجال وللعروبة ، يقول فى قصيدته القمر الشهيد 36 بيتا من البسيط ص21 ، 24 :
لمن تركت الهوى والحب يا قمرا * سبحان من بالحياة قد زاده خضرا
يا أمة العرب ليس المجد مدخرا * للقاعدين وليس النصر منتظرا
فمنطق النصر والتاريخ يخبرنا * أن الفلاح لمن ضحى ومن صبرا
يا أمة العرب ليلى قدمت دمها * ولا أرى أسدا فى الغاب قد زأرا
ألم يعد فيكمو عمرو وعكرمة * أليس من بينكم من أنجبت عمرا
وهو فى السياق نفسه يوظف بنية التناص القرآنى فيما يخص الأمر للمؤمنين بإعداد القوة اللازمة والخيل المسوَّمة التى تستدعى عاشق العروبة الأول ، وشاعرها الأعظم أبا الطيب المتنبي ، فيهدى خطابته الإنشائية التى توالت فى هذه القصيدة بصورة أكثر كثافة تناسب دعوته وثورته :
والله يامركم كى ما نعد لهم * ما نستطيع فأعددناه مؤتمرا
الخيل والليل والتاريخ يطلبكم * ليلى تناشدكم ان تنهضوا زمرا
ويستخدم الحركة المفصلية التى يوظف لها بيتا غاية فى الدلالة والغقناع والتكثيف ، وهو البيت الوحيد المكرر عبر الديوان كله
لتدخلوا المسجد الأقصى مضمخة ٌ * أثوابكم بدمٍ يا طالما انهمرا
ورغم ثراء اللغة التراثية التى يتمتع بها بدر بدير لخبرته الطويلة بدروبها وبحارها ، فأنه يستخدم لغة خاصة ، فلم أجد فى دواوين القدامى استخدام المنحوت اللغوى ط حوقل " ، ومع ذلك فهو يستخدمه تارة عنوانا لقصيدة أو مقطوعة قصيرة فى خمسة أبيات " حوقلة " ينعي فيها على العرب حمقهم وسكرهم وغفلتهم وهوانهم مع انهم أحفاد وأصحاب العز والجاه ، وقد حباهم الله بكل كنوز الأرض ، وأخرى بعنوان " حوقلوا " من مجزوء الرمل ، بلغت حدذ القصيدة – عند ابن جني- ثلاثة عشر بيتا تشكل مع سابقتها متوالية شعرية ، يعتمد فيها طريقة السرد القصصى ، ويتناص مع الشاعر الكبير أحمد مطر ، مستخدما الشرط " كلما " على امتدا القصيدة ، ويستمر الشرط طويلا على مدى ثمانية أبيات من بنية الفعل الطبيعية المتوقعة من الصهاينة أعداء السلام والإنسانية ومصاصى الدماء وقاتلى الأطفال حارقي غصون الزيتون إلى جواب الشرط غير المكافيء لنية الشرط ، ولذا يحذف منه فاء الجزاء المستحقة معلنا ان هذا الجواب لا يرقى لمستوى الجزاء بالنسبة للفعل : " الديوان ص27 "
كلما وجه صهيون إلى اطفالكم بارودة أو قنبلة
حوقلوا يا سادتى أو حسبنوا فى السر حتى لا تزيد المشكلة
ومع نحت " حوقلوا " ياتى نحت " حسبنوا " إمعانا فى السخرية من رد الفعل المخزى إزاء الاعتداء .
وبدر بدير سيرة شعرية حافلة ومستحقة لدراسة طويلة مستفيضة متأنية ، فالرجل صنع تراثا شعريا ، وأسرة شاعرية ، امتدت فى الجذور والفروع ، فوصلت إلى الأبناء والأحفاد ، ولم يمنعه تدينه من ممارسة حقه الوطنى وواجبه القومى ، كما لم يمنعه هذا ولا ذاك من مواجهة قضايا مجتمعه بأسلوب فكه عذب يجمع بين الدعابة الذكية فى " ابتسامات ماكرة " والسخرية الاذعة فى حماريات " على طريقة لافونتين وشوقى وصولا إلى ابن المقفع واضرابهم من الشعراء والأدباء الذين اتخذوا من الحيوان رمزا ومعادلا موضوعيا ، وبخاصة توفيق الحكيم فى نثره الذى آثر الحمار من دون خلق الله ليجعل منه رمزا ودليلا على غفلة الإنسان ، وتميزه فى مقابل حماقة غيره من البشر .
هكذا تمتزج سيرة بدر بدير الشرقاوى الأصيل بتراب أرضه وتاريخ محافظته المشرف النبيل ، وهكذا امتزج شعره بدمه وتراثه الحافل بالإسلام والعروبة والوطنية والقيم السامية ، فكان الشعر رسالة ، وكان هو نعم الرسول .
أمدّ الله فى عمره وأكثر من أحفاده الشاعرين المهذبين .
أما فارس الحلبة الثاني فهو شاعرنا " رضا عطيه " ، ولا أقول الثانى فى ترتيب فرسان الشعر فى المحافظة ، وإنما أقصد الثانى فى ترتيب الكلام ونسق الدراسة الذى يستدعى اول له ثانٍ .
وسيرته لم تخرج عن هذا الإطار المرن الذى حددنا معالمه ، وتجلّت من خلاله شاعرية بدر بدير تظهر هذه السرية بكل ملامحها ومضامينها من العتبة الأولى للنص ، وعنوان الديوان " فصول من الاستسلام والمقاومة " واللافت أن يأتى العنوان – أيضا – عن طريق عطف المتضادين كما حدث عند بدر بدير فى ديوانه السابق الذكر " دموع وابتسامات " فنجده عند رضا عطيه أشدُّ إيلاما وأنكى للجراح ،" فصول من الاستسلام والمقاومة "
واللافت أكثر أن يأتى السالب قبل الموجب ، فالدموع تسبق الابتسامات ، والاستسلام يسبق المقاومة وهو ما يقارب بين الرؤيتين .
وغن كان بدر بدير قد صفع النقاد حين قدم ديوانه بنفسه نوعا من الدموع ممزوجا بابتسامة ماكرة ، فأن رضا عطيه قد أهدى ديوانه إلى المقاومين الصامدين فى كل بقاع الأرض ، أى أنه يعلن منذ البداية أنه فى فريق المقاومة ، وليس من طبيعته الاستسلام ، ومقاومة رضا عطيه أقوى من البارود والبندقية ، إنها المقاومة الكاشفة التى تجلى الحقائق ، وتفضح الآخرين بما هم فيه من خداع وتآمر وطغيان ، والأشد مرارة أن يجلى الذات العربية المتآمرة على نفسها المخدوعة فى زيف الكلمات وبلاغة الكذب التى صنعت الطاغية الجديد ، وهو أشد وانكى من كل طغاة الدنيا ، لأنه قد يكون من بنى جلدتنا ، ويتكلم بلساننا ، ثم يبيعنا فى النهاية لتتار اليوم كما باعنا أجداده الطغاة لتتار الأمس : ( الديوان ص 7 )

ما دامت الكلمات قد ماتت على شفاهنا
وصمتنا الكسيح خبز جبننا
وحلمنا ذرته " ريح ٌ صرصرٌ عاتيه"
وصار تجلّدنا سياط الطاغيه
فلتنتظر يا صاحبي أن تسقط الداهيه
**
كُنَّا قديما نكره التتار
ونرفض الحصار
لأننا كنَّا كبار
واليوم نعشق التتار
ونقبل الحصار
لأننا ..... !!
وهو إذ يتناص مع كتاب الله يوجه نداءه ورسالته إلى أمته التى تحوَّلت من عالم الكبار إلى أمة تستجدى الطواغيت ، وتقوم بصناعتهم ، ثم تأتى كل الدواهى تباعا لهذا الموقف ، ونتجة حتمية لهذا التفريط .
ولا غرو أن تتشابه موضوعاته – دون عمد طبعا – بعد ذلك مع بدر بدير فى رثاء شهيد الفجر وبكاء لبنان كما بكى بدير من قبله الشهيدة ليلى ورثى بغداد .
أمّا قضية القدس التى تجلّت فى قصيدته " منبت الشهداء "فهى القاسم المشترك بينهما ، لأنها القاسم المشترك فى الهم العربى كله ، يفرد ثلاثية لغزة تستلزم دراسة مستقلة وافية ، وهى استجابة شعرية وشعورية لأحداثها الأخيرة " دم ومقصلة ونار ص 46 " ، " المهرِّج الصفيق يدّعى انتصاره ص 49 ، " سننقش المأساة بالدماء ص 52 " .
وينفرد رضا عطيه بأن صرخاته تصل إلى حد السياط التى تلهب جلود الآثمين النعاج الذين يحمّلهم المسئولية وضياع شرف القضية فى قصيدته " شهيد الفجر " ص 12 " التى كررها بتمامها فى آخر الديوان " ص54 ".
وطرت بثوب العريس الشهيد
ترفرف فوق الخنازير ..
فوق الذئاب..
وتعلن أنك ما زلت نسراً
ما زلت ترجمهم بالحقيقة
وتخنقهم بالبراءة
وتفضح جبن النعاج الموامس
وخزي الخراف الخصيَّه
وعُري الذئاب الذين استباحوا..
الجميع وشقُّوا نطاق القضيه
ويميز رضا عطيه وضوحه الصارخ فى وجه الفاسدين ، يظهر ذلك فى جرأته فى اختيار ألفاظه التى تأتى تباعا فى إطار هجاء الخصوم ، ولا أعنى هنا انهم لا يستحقون : ( الخنازير – الذئاب – النعاج – الموامس ) . وإلحاحه على الذئاب بالتكرار يكشف كل الجبهات التى قد تبدو متصارعة فى الظاهر ، ويعلن أنها متآمرة فى الباطن ، كما أن الجمع والتعريف أفاد معرفته بهم رغم كثرتهم ، وهو ما نجعله نصدقه ، ونلمس عنده عمق الشعور والانفعال فى تلك الصور الاستعارية الصريحة التى تأتى فى أسلوب خبرى مؤكدا صدقه وصراحته ، ومدى كشفه الحقائق وتعريته إيّاها ، ولذا سيطرت الاستعارة التصريحية سواء فى مقام الإشادة بالشهيد النسر ، أم فى مقام الهجو للأوغاد الخنازير والنعاج الموامس .
ويأتى دور الهم الاجتماعى فى " مذكرات أب مقهور " ويأتى التنكير هنا فى سياق التعميم ، إذ يشكو همّنا جميعا ، وبخاصة أبناء الريف الذين عايشوا الرجال الحقيقين والآباء الشرفاء الذين أيقظهم الفجر ، فاستعانوا بربهم ، وحملوا فئوسهم وميراث آبائهم وأجدادهم من حمول ، وإن كان رضا عطيه يشكو بلسان الحال هذا الأب المقهور ، وليته دام ، واجتمعنا تحت ذاك اللحاف القديم والسقف المخروم تدفئنا المشاعر الحقيقية ، وتقترب دقات القلوب ، وتعلو إلى الله دعواتنا فى بصيص الفجر ساعتها كان سيأتينا النصر الذى يأمله ، والمقاومة التى يحلم بها .
ولم يفت رضا عطيه أن يتوجه ببعض قصائده إلى أسرته كما نجد فى قصيدته " ولدى " التى يخاطب فيها ولده " محمود ص37 "
ويبثه شكواه من الماضى ، وأمله وطموحه فى المستقبل ، والقصيدة تحتاج إلى وقفة طويلة لرباطها الفنى المحكم وصورها الأخّاذة ، وعاطفتها الصادقة الشفيفة ، ولعل المستقبل يسمح بذلك .
ولم يفته – أيضا – أن يستخدم قناع الصراع الحيوانى معادلا لذلك الصراع البشرى ، فيرمز للطاغية بالأسد فى مواجهة الضعفاء الجوعى الذين يشبههم بالفئران ، ورغم أن الاستعارتين من باب التقليد فإن الجمع بينهما – فى اعتقادى – من باب التجديد ، والقصيدة طويلة وفيها قدرة رائعة على السرد القصصى ن ليته يستثمرها فى ديوان مستقل ، إذ تخفف من غلواء صراحته التى قد تكون ضرورية فى بعض تجاربه ، ويتخذ منها قناعا فنيا فى تجارب يلزمها الرمز بوصفه ضرورة فنية لا أخلاقية ، وبخاصة فى الشعر ، إذ هو لغة الهمس والرمز والتكثيف والإيحاء : ( ديوانه ص20 )
حين يموت الأسد الفذ بعضَّة فار
لابد لقانون العالم أن ينهار
جاء وفود الغابة يوما إذ شاعت
في منطقة الأسد الفرد إشاعة غدر
يوصون الملك بألا يظهر في حفل غدٍ
ألا يزأر حتى لا يزعج فئران الثورة
لكن الأسد الثائر قال بأني استعددتُ ..
بقطط تفترس الفئران بنظرة عين
أدّبت الفئران الجرب كثيرا جدا
أما المناجاة الدينية التى لا نعدمها عند شعراء الشرقية ، إذ هى الأصل والمنبع والمصب – كما قلنا – فتتجلّى فى مناجاته الشفيفة لله – عز وجل – والسعى إلى المعرفة ، لأن المعرفة أول أبواب المكاشفة ، والمكاشفة أولى درجات الوصول ، يقول فى قصيدته " لأننى أراك ص 25 " :
لأنني أراك في ابتسامة الوليد
في بكارة الشباب
في انحناءة الهرم
وفوق كل من علا
وفوق كل من كبر
وفي سماحة الكريم
وفي تجبُّر القوي ..
في حلاوة الثمر
فأنت معبود البشر
* ثم ناتى إلى مسك الختام ، فارس الحلبة الثالث فى ترتيب الكتابة الشاعر الصامد الصامت المثابر محمد سليم الدسوقى وديوانه الذى يحمل هذه الثنائية الضدية – أيضا – التى اتفق فيها شعراء الشرقية ، وإن كان يبدا بالعنصر الإيجابى مخالفا – بذلك – سابقيه ، فيأتى عنوان ديوانه هكذا : " ثال القطيفة والبندقية " وفى الحقيقة إن هذا التقديم يحمل رؤية متمايزة للشاعر عن نظيريه السابقين ، تتضح على طول ديوانه ، رغم ما بين ثلاثتهم من تشابه واضح يصل إلى حد تكوين مدرسة أدبية أو اتجاه أدبى على أقل تقدير .
التفاؤل هو الملمح الذى يسم ديوان محمد سليم الدسوقى ، أما ما يشاركهما فيه فالخطوط الثلاثة التى أوضحنا ظلالها وألوانها التى تكاد تنحصر فى ألوان ثلاثة رئيسية تتفرع عنها خطوط فرعية تتصل بها ، وتنبثق عنها هى : الدين وقضايا الوطن ورسالة الشعر الاجتماعية السامية ، يظهر هذا التشابه من العتبة الأولى " الأضداد المتنافرة " وتؤكده العتبة الثانية ، أقصد إهداء الديوان ، إذ يهديه – أيضا – إلى شهداء الأمة ، ثم يبدا ديوانه على غير توفيق فى ترتيب قصائد الديوان – كما فعل أيضا نظيراه – ببطاقة بوح لأبيه زارع الطيب على صدر الوطن وإن كان أكثر توفيقا من رضا عطيه فى رسم صورة الأب ، ذلك الفلاح الأصيل الذى كان قادرا على أن يفجّر نور الصباح من ظلمات الليل ، ومما يلاحظ – هنا أيضا – ارتباط الاجتماعى بالوطنى ، وهو ما نجده فى قصيدته الثانية " إلى سلوى حبيبتى ": رسالة حب من شاطئ الموت إلى ارض الوطن ، وهى من القصائد المتميزة التى سكب فيها آلامه الخاصة ومزجها بآلام الوطن ، وانتقل من حبيبته " سلوى " إلى الشهيدة الغالية " ليلى " التى توقف لرثائها مرات عديدة .
ولا غرو أن نجد لفظ " الشهيد " هو أكثر الألفاظ ترددا فى ديوانه كله من الإهداء الذى بدأ به إلى آخر صفحات ديوانه ، وغذا كان لكل شاعر كلمة مفتاحية ، فإن كلمة " الشهيد " هي مفتاح النص الكلى لشاعرنا ، وهو يقترب إلى حد كبير من بدر بدير فى رثاء " ليلى " الشهيدة التى ضحّت من أجل العروبة ، فبدر بدير يقول فى القمر الشهيد ( من الشعر العمودى 36 بيتا من البسيط ص21 ):
لمن تركت الهوى والحب يا قمرا * سبحان من بالحياة قد زاده خضرا
ومن حباه لحاظا كلما نظرت * سبت ومن غير قصد كلُّ من نظرا
ويقول محمد سليم الدسوقى من شعر التفعيلة ( ديوانه ص11 )
قولى لها يا سلوتى...
فى ليل جِلوتها الجميلةْ.
والعُرسُ يحْفـِل بالنشيد…
وبالخميلة:-
قد كنتُ - يا ليلى- حريًّـا...
بالحفاوة…
والطلاوة...
والعروسْ .
وتذكرنا القصيدة – أيضا – بقصيدة رضا عطيه شهيدا الفجر ( ديوانه : ص12 ) ، وتتجلّى المشابهة أكثر إذا نظرنا فى قصيدة محمد سليم الدسوقى " أيا فارس الفجر ذاك الملثّم – ديوانه ص59 ) ، غنه تشابه المنهج والفكر والتوجه .
ولكن نزعته الرومانسية الهادئة – أيضا – تميّزه عن غيره ، فحين يحمِّل بدر بدير أمة العرب وزر ليلى .. ن وينعي عجزهم عن الثأر لها ، يقول فى نبرة خطابية متهكمة ، تصل إلى حد السباب المر : ( ديوانه ص22 ).
من يطلب الثأر يا ليلى وقد بسمت * قبائل العرب صارت فى الورى بقرا
بينما تتجلى رومانسية الدسوقى وتفاؤله أيضا : ديوانه ص28 ) :
وكفّشى يعانق أشياءه الضاريات ..
يزمجر..
يغرس فى شاطئيه الأمان
وترسم فوق الكراريس " ليلى " ...
بنودا ترفرف ...
تهتف ..
تعلو على قبَّرات الهوان
وعقد البنفسج ...
ذاك الوضيءِّ
يموج على صدرك المرمرى
فترضين بالعشق والأمنيات
وتغنين بالفجر ..
ذاك الشّجيِّ
وهذه اللغة الرومانسية تتجلى فى معظم ديوانه ، وتمكنه من نقل لغة الحب إلى ميدان الحرب : ( ديوانه ص47 ) :
لأجلك ..
أحببت ، أدمنت طقم الشهادة
وأدمنت يا هند – لون القلادة
وذوبت فى وجنتيك ، يديك ..
العيون اللواتي صببن المنايا ..
شهيّات حبي ، وقربى ..
وأجراس شمسي ...
والصورة الأخيرة " أجراس شمس " تقع فيما نسميه تراسل الحواس وهى خصيصة رومانسية أيضا ، ومفردة " الشمس " هى أكثر المفردات تكررا فى ديوانه بعد مفردة " الشهادة " التى استخدمها فى صور مختلفة " الشهادة – الشهيد – شهيدة .. الخ
أمذا نزعته الدينية فواضحة وضوح شمسه من خلال التناص القرآنى الذى يأتى بمختلف صوره وأشكاله فى ديوانه .. واللافت – هنا أيضا – أن يأخذ من قول النبى صلى الله عليه وسلم .. : " أرحنا بها يا بلال " عنوانا لإحدى قصائده بل جملة مفصلية يستفتح بها كل مقاطع القصيدة ص78 " ومما يتصل بذلك – أيضا – ذكره " الطير الأبابيل " و " وأبرهة " وعظماء الإسلام وأبطاله الفرسان الذين قادوا الأمة إلى النصر والنور ، وبخاصة فى قصيدته : افيكم أسامة يرعى الزمام ؟ " ديوانه ص21 التى جعل من استفهامه هذا عنوانا وخاتمة للقصيدة ، وتكرر فيها كثير من المعاني والألفاظ والإسلامية ..
ولم يعد من الحتم اللزام أن اشير إلى قضية القدس التى صارت من القواسم المشتركة بين شعرائنا الثلاثة ، فهو على إشاراته الكثيرة يفرد لها قصيدة بعنوان " واغزلى للقدس شالا من دمي .. ديوانه ص14 ) . وثانية نزارية الملامح بعنوان : " زهر المدائن : ص16 " وثالثة بعنوان " أنا يا نيل من يافا – ديوانه ص54 ) ، يرثى فيها العرب ويصف التشظى العربى والانقسام الإسلامي ونحن أمة واحدة وديننا واحد وقضيتنا واحدة والقصيدة من القصائد السريعة الإيقاع الموسيقى مما أثّر تأثيرا فعالا فى التلقى والاستجابة والانفعال والتجاوب .
وتتجلى -أيضا – نزعته السردية القصصية فى قصيدته الجميلة " صباحية – ديوانه ص57 " التى يصل فيها التشويق والإثارة حدّا مدهشا حقّا .
وكما يرى رضا عطيه ان تتار اليوم هم تتار الأمس وأحفادهم، ويرى الدسوقى ان كهّان خيبر ما زالوا فى المعبد ( الديوان ص67 ) ، ولذا يكثر التناص القرآنى بشكل لافت فى هذه القصيدة ، وهو يشحن قدرته السردية ولغته النزارية ورغيته العارمة فى الشهادة فى قصيدته :
فمن يعطيه عنوانى .. كما تظهر بعض التجليات الصوفية فى قصيدته الأخيرة" حصار حصار ص85 " أما ما يستحق الوقوف طويلا حقا – وإن كان المقام لا يسعف هو موسيقا الدسوقى التى توحى بشاعر موسيقيّ من طراز فريد يذكرنا بالبحترى وابن الرومى وابن زيدون وأضرابهم من شعراء الموسيقا فى تراثنا العربى .
وقد ثوّر الدسوقى كل طاقات اللغة العربية ، واستغل خبرته العميقة بجمالياتها ليوفّر لقصائده أكبر قدر ممكن من الموسيقا ، وسوف أتوقف هنا عند أهم مفتاح من مفاتيح نوتته الموسيقية العبقرية ..
إن اول درجات السلم الموسيقى عنده موسيقى اللفظ التى تتجلى فى التكرار بأنواعه .
وهو على قلته فى شعر الأقدمين كثير فى شعراء المحدثين كثرة واضحة .
والعجيب أن يختلف القدماء حول قيمة التكرار كما اختلفوا فى وجوده ، وكان مبعثهم إلى ذلك كثرته فى كتاب الله عز وجل ، فكثرت فى تصانيفهم الإشارة إلى هذا المبحث ، يقول ابن فارس ( ت : 395 هـ ) " ومن سنن العرب التكرار والإعادة إرادة الإبلاغ بحسب العناية بالأمر " ( الصاحبي : ص77 ) .
وإن ربطه ابن فارس بالعناية والاهتمام فقد ربطه ابن قتيبة ( ت 276 هـ ) بإرادة التوكيد والإفهام .
( تأويل مشكل القرآن : 240 – 241 ) أما ابن الأثير ( ت 637 هـ ) فأرجعه إلى إرادة التنغيم وترجيع الصوت ( المثل السائر : 3/ 22 ) ، كما يؤكد أن التكرار أبلغ من الإيجاز وأشد موقعا من الاختصار ( السابق : 3 / 11 ، 19 ) ، ومن العجيب أن يرجع بعض المحثين التكرار إلى ضيق اللغة ومحدوديتها ، وعدم قدرتها على تكوين المعانى أحيانا ( النثر الفني فى القرن الرابع الهجري : 294) .
والحقيقة أن للتكرار دورا عظيما فى الأداء الفني ، وقد قال بعض الفلاسفة " غن للنفس كلمات روحانية من جنس ذاتها " ( عيار الشعر : 23 ) كما أشار د . زكى نجيب محمود إلى عبراة مهمة نقلها عن أحد النقاد الفرنسيين مؤداها أنك إذا ما تناولت بالدرس أديبا ما فإنما تصل إلى مفتاح شخصيته لو أنك وقعت على الكلمة التى ما تنفك تتردد فى أدبه اكثر من سواها .. ( فى فلسفة النقد :6 )
وكما رأينا سالفا أن مفتاح شاعرنا الدسوقى يكمن فى تكرار كلمتى " الشهيد " و" الشمس " وكأن الشهادة هى الشمس التى تبدد ظلمات الليل ، وتوقظ النائمين الغافلين وتعيد إلى الأمة وجهها النضر الذى لوّثته الاستكانة وشوهه الرضى بالذل والهوان .
وهذا التكرير هو مفتاح عاطفة الشاعر القوية نحو وطنه وأمته .
أمّا من الناحية الموسيقية فإن هذا التكرار يضفي بعدا نغميا لا تخطئه الأذن، وتكرار اللفظ كما ان له صلة وثيقة بموسيقى الشعر الداخلية بما له من تفنن فى طرق ترديد الأصوات يحدث نغما موسيقيا يسترعي الآذان ، فإنه وثيق الصلة – أيضا – بنياط القلوب بما يثيره من ترديد لعاطفة الشاعر فى نفسه وفى نفوس القارئين او السامعين ( شعر الطبيعة فى نجد ص356 ) .. ومن التكرار التام يقول الدسوقى فى قصيدته " افيكم أسامة يرعى الزمام ص21 " من المتقارب أيضا :
وشمسىَ تذبحُ والصّامدونْ * سقاها العدوّ ضرام المنون فأشهد أن لاإلــه سواكَ * وأن رسولكَ هذا الأمينوأن الشهادة وعدٌ ، وحقٌّ * وأن الشهادة نصرٌ مبينوأن الذِّمام الحرام انتصافٌ * أفيكم أسامةُ يرعى الذمام..؟فقولوا الشهادة والرّوحُ تسرى * وقولوا الشهادة فوق الحصـونْحرامٌ على أمتى تستضافُ * وبحرُ الدماء يصلى حرام !
فأشهد أن لاإلــه سواك * وأن رسولـك هـذا الأمين
وشمسىَ تذبحُ والصامدون * سقاها العدوُّ ضرام المنون
ثم يكرر المقطع كله مرة ثانية .
* ونلحظ من هذا التكرار إبداعه فى وقعه مواقع متناظرة من بنية النص مما جعله يؤكد موقفه الثابت من الشهادة بموقف ثابت من التكرار نفسه ، وذلك بإيراده فى البنية الأسلوبية نفسها .. ونلحظ ان التكرار الرأسي يرتكز أيضا على ركيزة أسلوبية مميزة فى شعره هى التوافق المكانى مما يدل على انه يحمل قدرا من الإبداع ، وطاقة عالية من الشاعرية ، وثراءً فى الإحساس بجماليات اللغة ، كل ذلك أتاح له ، أى للفظه المكرر أن يؤدى دورا إيقاعيا مؤثرا فضلا عن دوره الدلالى العميق ... والمثال السابق يؤكد تزاوج التكرار الرأسي مع التكرار الأفقى مما يجعل الأبيات دفقة شعرية وشعورية واحدة لارتباط الدلالة بين ألفاظ التكرير .
* وللتكرار الأفقي وظيفة أخرى هى التكثيف الإيقاعى والموسيقى للأبيات بما له من تماثل حرفى ودلالى على صعيد واحد ، وذلك لأن الضابط الإيقاعى للتكرار ينشأ من المسافة الزمنية المتكررة والمتساوية بين موقعى التكرار ، فتتفاعل المجاورة مع البعد الزمنى فتحدث أثر السحر فى موسيقا الأبيات ، وقد توقف علماء الألسنية أمام هذه الظاهرة بما تمثله من تقارب دلالى ينشأ عن التقارب الصوتى . ( بناء لغة الشعر: 52، 75 ، والبنى الأسلوبية : 98 ن 99 ) .
وهذا التكرار الذى يجمع بين التماثل فى الصوت والدلالة يزيد من حدة التكرار بالتجاور .
ولم يفوت شاعرنا فرصة التكرار التام عن طريق الجناس التام وإن جاء نادرا مثل قوله فى القصيدة التى حمل الديوان عنوانها " شال القطيفة والبندقية التى جعل من ندائه " يا مجدلية – خاتمة لكل مقاطع القصيدة ، ياتى فى المقطع الختامى هكذا : " ص40 "
يا مجدليّة ...
ويا مجدُ ( ليَّه ) .
ويستغل الفضاء المكانى / النصي / الكتابي الذى وظّفه بمهارة غير مرة ، وهو ما يسميه أستاذنا الدكتور محمد عبدالمطلب البعد المكانى فى الشعر الحديث ، الذى حلَّ محل البعد الزمانى فى بنية التكرير فى الشعر القديم .
اما التكرار الجزئى أو المقطعى او ماتسميه فاطمة محجوب التجانس الخلفى ( دراسات فى علم اللغة ص43 ) الذى يعتمد على التناظر المكانى فهو من أقوى وسائل الإيقاع الداخلى فى الشعر وقد استغل الدسوقى هذه الخصيصة التى وفرت للغته قدرا عاليا من الموسيقا : ديوانه ص56 ) :
انا يا نيل من يافا
وأروادى
وآبادى
وآسادى
واعيادى.. خليلية !
وهو يتناغم مع الجناس الصرفى الذى سيطر على الديوان كله ، يقول فى قصيدته " شال القطيفة والبندقية ص14 ) :
تمُورُ على شفتيْكِ الهُوِيّةْ و يُسْتشهَد السّحـر... والعطـر... و البحـر... والدّهـر... والرّيح ، والرّوح ، والأمنياتْ وتبقى هنا... عندنا... فوقنا..
إلى أن يقول فى المقطع الثانى :
تعالىْ لغيطكِ...
بين الكرُوم...
وبين الهُمُوم...
وحبّاتِ تمْرى...
وعُرْجُون صبْرى...
وتبْغِى المُعتـّق ِ ...
فـُرشاةِ صَـبْغى...
تلوّن مُهجتها بالدّماء...
السّجينة خلف الحُصُون...
الغُصُون...
المنُون...
إلى أن يقول فى المقطع الرابع :
صبوْتِ...
وصبوُكِ عندى مضاءٌ...
وفاءٌ...
قضاءٌ...
رضابٌ...
خضابٌ...
ويتدث عن موسم الحصاد فى المقطع نفسه بأنه :
قد يجىء بُعيْد اجتثاث سُموم الأفاعِى...
صِراعى...
قـِراعى...
طهارة كفِّى ، وصفِّى...
ويبدأ المقطع الخامس هكذا :
تمُوءُ السّنابلُ فى راحتيك ...
تموت السنابلْ
وتُعطى البيادرُ أنداءها...
والسادس هكذا :
وتبقى العصافيرُ فوق...
العشاش...
العطاش...
تودّع أفياءها ، والرّياشْ...
تقبّل شالَكِ...
بالَكِ...
أغنيةً للصّباحِ...
الوشاح...
وإذا تتبعنا الديوان كله تصير هذه الخصيصة سمة عامة للنص الكلى مما يحدث تكثيفا موسيقيا وتثويرا لطاقات البديع ، وغن كان تند عنه بعض الهنذات المعنوية التى تنجم عن ولعه بالجناس الذى قد يوقعه فى الالتباس واختيار كلمات يلومه عليها بعض الناس كقوله : ( الديوان ص7 ) :
يا سلْوتى أو تسمعين ؟!
أو تقرئين خواطرى..
ونواظرى...
وتؤوِّلين ، تولْـولين ؟...
فأعتقد أن الكلمة الخيرة لا تتلاءم مع لغته الرومانسية الشفيفة حتى فى معانى الغضب والثورة .
وقدرته على الاشتقاق والنحت تتآزر مع الجناس والتكرير الذى يظهر – أيضا- على مستوى التراكيب بصورة لافتة ، وتكرار التركيب هنا لا يعد تكرارا تاما ن فهو قد يستخدم الفعل المتعدى لمفعوله مباشرة ن وقد يعترض بشبه الجملة ، بما يثري الدلالة ، كما يثري الموسيقى بشبه الجملة المعترض كما فى افتتاحيته لقصيدته " قرأت على شفتيك الشهادة ص41 " التى تاتى هكذا :
قرأت على شفتيك الشهادة
قرأت السعادة
وقد يغير التركيب محافظا على إيقاع المضاف ، ومستغلا تكراره بتغيير المضاف إليه مع الحفاظ على البنية الصرفية للمضاف غليه المتغير بما يوفّر أعلى قدر ممكن من الموسيقا ، كقوله فى ختام القصيدة نفسها ( ص46 ) :
جنود الشتات / جنود النذالة / جنود الوضاعة ... / جنود البلادة ... / والارتدادة ...
ومما يساعده على استخدام " هذه البنية الموسيقية – فضلا عن أذنه الموسيقية ، وحسه المرهف – لغته الثرية القادرة على جمع الحقول الدلالية ، بما يوفّر له تكثيفا معنويا وشعوريا وموسيقيا ، ولعل أظهر الشواهد قوله فى قصيدته ( أيا فارس الفجر ذاك الملثم ص62 ) :
أبيعُ القلادة كى أفتديكَ...
أبيع المهور لكل البنات ، وللمرسَلات...
أبيع الزهَر
أبيع الهديّةَ أهديتَها...
وقلتَ:- غداً عرسْنا والمطر
أبيع الوضاءة من طرف عينى...
أبيع العُمُرْ
إن التكرار – هنا – بقدر ما هو ضرورة فنية يمثل – أيضا – ضرورة إنسانية تفرضه ضرورات التواصل العقلى والنفسى والشعوري فى الحياة العقلية والأدبية التى يفزع إليها الناس تخففا من هموم الحياة وىلامها ووطاة ما يعانونه من عنت وظلم واستبداد وابتغاء الراحة للنفس ، واستقرار للروح بما يسكبه ذلك التكرار من نفحات تسكن ثورة النفس وتنفذ إلى أعمق أعماق الضمير الإنساني . ( يراجع كتابنا : شعر الطبيعة فى نجد : ص356 ) .
وربما كانت نظرة القدماء قاصرة لهذا التكرار ، لأنهم توقّفوا عندما يعرف بنحو الجملة ، أمّا المحدثون فقد استغلّوه فيما يعرف بنحو النص .
وإذا تحدثنا عن قوافى الدسوقى الداخلية وإيقاعها ، وتفعيلاته ، وتأثيرها وتنويعه القوافى داخل مجزوءات البحور كما رأينا فى قصيدته القصاص " ص23 " التى تتوالى فيها قوافى الصاد والنون والراء والميم ، ثم يعود إلى تلك القافية الصعبة – الصاد – مكررا المقطع الول داخل مجزوء الكامل – لطال بنا الحديث ولاحتاج الأمر إلى دراسة مستقلة لا تناسب هذا المقام لشاعر غزير الإنتاج استطاع أن يشدو بقصائد ذاك الديوان فيما يقارب ثلاثة شهور فقط ، وغزارة الإنتاج تصاحبها إجادة بالغة وشاعرية حقة .
أسعد الله الشرقية بشعرائها المجيدين الذين جاءوا ثمارا يانعة لتاريخ أرضهم المشرق النبيل ونبتا شعريا مشرقا لهذه التربة الشريفة ، وطيورا مغردة لحديقة الشعر العربي الحديث.



أهم المصادر والمراجع
بناء الأسلوب فى شعر الحداثة ( التكوين البديعى ) د. محمد عبدالمطلب . القاهرة . دار المعارف- ط3 1993م
بناء لغة الشعر : جون كوين- ت. وتقديم . د . أحمد درويش – القاهرة – دار المعارف ط3 – 1993
البنى الأسلوبية ( دراسة فى أنشودة المطر للسياب ) د . حسن ناظم – المركز الثقافى العربى – 2002م
تأويل مشكل القرىن : ابو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدنيورى " ت 276 هـ" تحقيق/ السيد احمد صقر – القاهرة – دار التراث ط2 1973
دراسات فى علم اللغة – د.فاطمة محجوب – دار النهضة العربية 1978م
دموع وابتسامات . بدر بدير – أصوات معاصرة 2006م
شال القطيفة والبندقية – محمد سليم الدسوقى – أصوات معاصرة 2005 م
شعر الطبيعة فى نجد – د. محمد سيد على – طنطا 2003 م
الصاحبى فى فقه اللغة العربية وسنن العرب فى كلامها : لأبى الحسين أحمد بن فارس بن زكريا " ت 395 هـ " شرح وتحقيق / السيد أحمد صقر – القاهرة – الهيئة العامة لقصور الثقافة – 2003م
عيار الشعر : أبو الحسن محمد بن احمد بن أحمد بن طباطبا العلوى " ت 322هـ " تحقيق د. عبدالعزيز بن ناصر المانع – الرياض – دار العلوم للطباعة والنشر 1985م/1410هـ "
فصول من الاستسلام والمقاومة – رضا عطيه – الزقازيق 2009م
فى فلسفة النقد – د. زكى نجيب محمود – بيروت – دار الشروق 1971م
المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر : ضياء الدين بن الأثير " ت 637هـ " قدمه وعلّق عليه د . أحمد الحوفي ، د. بدوى طبانه – القاهرة – دار نهضة مصر – 1973 م
النثر الفنى فى القرن الرابع الهجرى : د. زكى مبارك – بيروت – دار الجيل -1975م