الاثنين، 20 يوليو 2009

الأمل فى مواجهة الأمل .. قراءة فى رواية ساقى اليمنى لوائل وجدى

الأمل فى مواجهة الألم
قراءة فى رواية ساقى اليمنى لوائل وجدى
بقلم محمود الديدامونى



منذ الوهلة الأولى لتصفح هذا النص الروائى " ساقى اليمنى " 1 " للأديب وائل وجدى ، نلمح تعلقا شديدا بالأمل هذا الأمل يرتكز على إيمان راسخ بالله سبحانه وتعالى لدى شخصية الراوى البطل ، فالشخصية فى هذه الرواية شخصية تحمل مقومات الشخصية المتمسكة بالقيم والدين ، فيما يتعلق بالصبر والتوكل على الله فى مواجهة ما قد يعترضها من أمور ، فالرواية هنا رواية إنسانية تمتلك شخوصا محددة المعالم ، وأماكن محددة تحديدا دقيقا وزمانا يضيق ويتسع حسب متطلبات السرد الروائى ، والإنسان أثناء عملية التواصل ، لابد أن يدرك مجموعة العلاقات النفسية والاجتماعية والعاطفية التى تتيح لنا التواصل الحميم مع الشخصيات ومع البناء السردى للنص الروائى على اعتبار أننا نقرأ النص الأدبى كما أشار " تودروف " " 2 " من زاوية علمية ، لأن الهدف أن نقترب من أدبية النص ومن خصوصيته مع تفكيك علاقات النص وتحديد خصائصه الجمالية وما وراءها من دلالات ، ويدفعنا أيضا إلى قضية قراءة النص بالنسبة إلى البنيوية كما أشار " شولز " من استلزام وجود طرق مقبولة لدمج البعد السيمانتى ( الدلالى / العلامى ) داخل البنية ، لأن هذا البعد السيمانتى ( الدلالى / المعنوى ) لا يقف ضد جماليات الشكل ، بل هو جزء منه ، فسلسلة العلاقات تساعد النص على البنيان ، وتدفع بأجزائه نحو إكمال نفسه ،وإكمال الدلالة فى الوقت نفسه ، بينما يقف البعد السيميائى فى انتظار التأويل والتفسير " 3 " .
كما أتذكر رأيا لـ "رومان ياكبسون " قائلا : أن ما يجعل من الأدب أدبا ليس هو الأدب وإنما الأدبية، كما أن القواعد الجمالية الموجودة في نص ما لا تمثل إلا جزءا من قواعد أخرى ممكنة،وفى الحقيقة كانت البداية فى هذا النص دافعا لتلك المقدمة حيث يقول :
أجلس على حرف السرير ..
أتابع خيوط الصبح ، تنسل من نافذة حجرتي ..
ينسحب الغبش رويدًا ، رويدًا ..
يهل صبح جديد ؛ عابقًا بندى الأمل ...
أردد : يا رب .. " الرواية ص14 "
حيث جاءت المقدمة على طريقة السطر الشعرى ، لتعطينا مساحات واسعة من البياض يقابل هذا الإطار الشكلى للجو النفسى والبناء النفسي للشخصية البطلة ، وكأن هذا البياض على مستوى الشكل يصاحبه مساحة للأمل ، فالكاتب / الراوى يؤسس لتلك الفكرة ( الأمل ) منذ البداية وحتى النهاية ، وكأنها حالة من الصراع والمقاومة بين الراوى البطل وبين المرض من جهة وبينه وبين الواقع الاجتماعي والثقافى من ناحية أخرى ، تلكالمقاومة بين االصحة و المرض. حيث نلمح خيوط للإرادة عبر صفحات الرواية.. تؤكد على الفعل المقاوم للمرض وللواقع الثقافى والاجتماعي من ناحية أخرى. يصل بنا السرد إلى حقيقة مهمة تتعلق بمعاناة البطل حيث يقول " لم يكن ألمًا ، إنما مغصًا لا يحتمل في أعلى الساق اليمنى . كثير من الليالي ، لم أستطع أن أنام أو أتحرك في السرير من شدة الوجع . أخذت أنواعًا متعددة من المسكنات ؛ ليهدأ الألم بضعة أيام ، ثم يعود مرة أخرى . " ص 10
ثم يندفع السرد بنا إلى نقطة تعيق تحقيق الأمل من خلال تركيبة نفسية صرفة تتعلق بالميول والرغبات ، والاكتفاء بالشكلانى على حساب الجوانى أو الداخلي حينما يقول " عندما صافحني وجهه لأول مرة ، لم أرتح له .. لا تشعر أنه يتحلى بسيماء الطبيب ." ص11
وقد ساعد على ذلك التراكم الثقافى والمعرفى الذى ساهم بقدر فى تشكيل وجدان شخصية البطل من مشاهدة الأفلام القديمة ( أبيض – أسود ) .. قد يكون معللا ذلك الرأى حول طبيعة الطبيب من خلال هذه المنطقة السردية فيقول " طلب مني إجراء أشعة على الساق بعد أن قام بتحريك ساقي . ذكّرني بمجبراتي الأفلام الأبيض والأسود .أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته ، نفث دخانها في فضاء الحجرة الرطبة " .. هذا البناء النفسى للشخصية جعلها تندفع فى الحكى دون تراتبية زمنية ، يعود مرة إلى مرحلة الطفولة ومرة أخرى يندفع إلى زمن الحكى أو السرد وثالثة إلى موقف قريب ..فمثلا يقول : " منذ الطفولة لا أحب أخذ الحقن .. تذكرني بحقن التطعيم ضد الأمراض الموسمية ، لم أكن أعلم أنها ستكون وسيلتي الوحيدة في تخفيف آلامي المبرحة في ساقي اليمنى . " ثم انتقل الراوى إلى زمن الحكى بانسيابية قائلا : " أجد سعادة في قراءة أوراقي .. أتأملها .. أعيد صياغة القصص حتى أرضى عن تماسك بنائها ، رغم أن الجلوس على كرسي المكتب يحث نثار الألم أن يعصر ساقي اليمنى " ص 12 ..وهنا تظهر القدرة العالية للكاتب فى عملية السرد إذ كلما أحسسنا بتضيق الخناق النفسى على الشخصية كلما كانت هناك مساحات مضادة وفى مواجهة هذا التضييق ، هى إذن انفراجة سردية تطل علينا من حين إلى آخر تأتى فى زمانها ومكانها ..
البناء للأمل يسير فى اتجاهين :-
أولا : - عندما يظهر رقم اتحاد الكتاب إلى شاشة الهاتف المحمول ص13 فيقول : " . فجأة ، يرن الهاتف المحمول ، أنظر إلى شاشته : رقم اتحاد الكتاب ، يأتيني صوت "حسين ":
- مجموعتك القصصية ذهبت إلى هيئة الكتاب ضمن مجموعة من الكتب . " .
وكثيرا ما تأتى مساحات شاسعة للألم عبر الرواية .. وكان الأمر هو تعبير عن حالة الند للند المرض فى مواجهة الصحة ، الأمل فى مواجهة اليأس ... الخ فيقول : " بعد أسبوع . ذهبت إلى الطبيب حاملاً معي الأشعة ، والتقرير الطبي . تفحصهما بعدم اكتراث ، وأردف:
- الأشعة الحالية لم تحسم الحالة . نحتاج أشعة رنين مغناطيسي لعلها تفسر لنا الحالة . "
وتستمر حالة الهبوط النفسي لدى شخصية الراوى البطل وكان السارد يريد أن يصل بنا إلى حالة فقدان للحبل السرى الذى يربط بين الأمل ومقاومة الألم ومواجهته ، .. " خرجت من عيادة الطبيب أجر ساقي اليمنى . حالتي النفسية هبطت إلى قاع الجب السحيق . " ص19
ثم يعود بنا إلى جملة الأسئلة التى تسير فى نفس المنحى من مؤثرات طالت التركيبة النفسية للشخصية الساردة " هل من كنت في مجلسه طبيب ، أم يمتهن مهنة أخرى . أقسمت ألا أدخل عيادته مرة أخرى . ولن أعير لرأيه اهتمامًا.
دخلت إلى دوائر الدهشة والحيرة . ماذا أفعل ؟ "ص19 ..
ويستمر السارد فى المزاوجة بين المادى والمعنوى حين يقدم عبارة سردية مهمة للغاية فى تبيين ما طال التركيبة النفسية للشخصية ، فيقول : "لم أستطع أن أنام ، مكثت جالسًا في الشرفة.. أنظر إلى السماء الخالية من القمر . " ص19 ويقاوم البناء العقائدى الإيماني للشخصية .تلك المساحة من العتمة التى طالت التركيبة النفسية ، على اعتبار غياب القمر هو غياب لطاقة النور ومساحة الأمل ، ويظهر هذا الانتصار للتركيبة الإيمانية حينما يقول : " . قبل بزوغ الفجر ، اهتديت إلى ضرورة الذهاب إلى طبيب آخر " ص19
ونعود إلى التركيبة النفسية حسب مدرسة التحليل النفسى فى الاعتماد فى تحليلها على للشخصية على الثلاثية ( الهو / الأنا / الأنا الأعلى ) وتأثير كل ذلك فى تشكيل سلوكيات الفرد ، حيث لا يمكن أن يرد كل شيء للمزاجية بل لابد من ارتباط وثيق بين الفعل ورد الفعل ، ووجوب ان تكون المقدمات للفعل كافية لرد فعل بعينة يتعلق بطبيعة الشخصية وتاريخها الاجتماعى والنفسى ، فيوضح السارد الأسباب التى جعلته يستريح هذه المرة لهذا الطبيب الجديد وكأن الصورة مغايرة لتلك بما تملكه تلك الصورة من معطيات فيقول : " فور دخولي حجرة الكشف ، أحسست أني في عيادة مختلفة .. المراجع الطبية منتشرة في أرجاء الحجرة .. الطبيب يجلس أمام الكمبيوتر ، ملامحه ودودة . بنبرات هادئة :
- تفضل . " ص19
إشارة نفسية أخرى يقدمها السارد ص21 حين يقول : " يضايقني الانتظار . أصفاده تكبل حريتي وانطلاقي . ".
ثانيا : - عندما يرن الهاتف مرة أخرى .. وكان الهاتف هنا أصبح محفزا سرديا وكوحدة دالة على بزوغ الأمل من جديد ، وهذه المرة يكون الأمل متعلقا بالعاطفة والعلاقات الاجتماعية ، يرن الهاتف المحمول .. انظر إلى شاشته ، أجد نمرة " مها " ..... نقطتان للضوء تبزان من حين إلى آخر، ولعل عنوان المجموعة القصصية التى اختارها السارد " نهار الحلم " يدل بوضوح على مدى تعلق السارد بهذا النهار الحلم أو هذا الحلم النهار.. ، ليضعنا أيضا أمام حلم جديد من خلال علاقته بمها ويضع الأمر برمته على عتبة الانتظار قائلا : " اتصال " مها " جعلني أتفاءل نوعًا ما . أمازالت تحبني رغم شهور البعاد ، أكنت أنتظر هاتفها ؟ مشاعر متضاربة تستعر بقلبي المحب . بالفعل أوحشتني ، لن أتردد.. سأتصل بها .
- مها ، سأنتظرك في مكاننا . " ص36
هذا الاتصال وذلك اللقاء وضعنا على أعتاب نفسية بحته لطبيعة المرض الذى ألم بالساق اليمنى ، وكأن المرض نفسى هكذا جاء الأمر فى البناء السردى حين يقول : " لا أعرف ما حدث لي ؟ ألم ساقي اليمني اختفى فجأة . أتمني أن أصل قبل مجيئها ، أنتظرها في ظلال شجرتنا " ص36 وهذا ما يمكن أن نسميه بالعلاج النفسى للأمراض العضوية .. وبذلك الظهور لجناح الأمل الثانى ، ظهور " مها " يقول : رن المحمول ، جاءني صوت مها الحاني :
- تصبح على خير ..
بدأ الألم يخف من أعلى الساق اليمنى ، شعرت أنني لست في حاجة إلى العكاز ، تركته على الكنبة الخلفية لسيارتي .
أمشي ببطء بدون عرج - ملحوظ - أجلس على مكتبي بدلاً من الأريكة ، أنجز العمل المطلوب بسرعة وإتقان.. "
ومن خلال هذا الصراع الذى يتنازع السارد تظهر " مها " كمحفز على مواجهة الألم والتمسك بالأمل
الشخصية والحوار : -
إن الشخصية هى التى تكون واسطة العقد بين جميع المشكلات الأخرى ، حيث هى التى تصطنع اللغة ، وهى التى تبث أو تستقبل الحوار ، وهى التى تصطنع المناجاة ، وهى التى تصف معظم المناظر التى تستهويها وهى التى تنجز الحدث وهى التى تنهض بدور تضريم الصراع أو تنشيطه من خلال سلوكها وأهوائها وعواطفها " 4 " – مع مراعاة عدم تدخل الكاتب فى توجيه حركة السرد ، وللحقيقة فنحن أمام كاتب لم يتدخل فى دعم الراوى / السارد وإنما ترك للسارد مطلق الحرية فى السيطرة على الأمر ، من خلال السرد بضمير الأنا .. الذى ساعد على إذابة الفوارق الزمنية والسردية بين السارد والشخصية والزمن جميعا ، فكانت الشخصية الساردة محور العمل الروائى ذلك الذى نشعر منه للوهلة الأولى أن الرواية تسير فى فلك السيرة الذاتية ، وهذا ما لم أجده بعد الاستمرار فى القراءة ، حيث جاء السرد بعيدا عن تلك المنطقة ، بل هذا الضمير جعلنى ملتصقا بالعمل السردي ومتعلقا به .. متوهما فقط أن المؤلف هو إحدى الشخصيات التى تنهض عليها الرواية
كما يتعاظم دور الحوار فى هذا العمل رغم قلة شخصياته فهو بين شخصية بطلة وشخصيتين ثانويتين " مها " وحسين " وشخصيات أخرى هامشية تستدعى ما كانت الضرورة .. ويصبح الحوار فاعلا فى تحريك حركة السرد والانتقال من منطقة لأخرى فمثلا نجد ه يقول : " . جلست أتابع الطبيب وهو يفحص الأشعة المختلفة بعناية بالغة بوجه باش ونبرات هادئة :
- تقرير العينة يبين أن هناك خلية ورم ليمفاوي .
قلت :
- هل تقبل العلاج ؟
قال :
- إنه يقبل العلاج القاطع إن شاء الله "
وكانها توأمة إيمانية بين الطبيب وبين مريضه تظهر من خلال هذا الحوار العابر ليتعلق المريض السارد بالأمل من جديد ، ثم نعود لنقطة ظهور مها كمحفز على مواجهة الألم من خلال الحوارات المتعددة التى دارت بينه وبينها فمثلا نجد ص46 يقول : " انتبهت على مها تجلس في الكرسي المقابل لي على المائدة ، باسمة الثغر:
- لهذه الدرجة لم تشعر بي .
- أسرح في حياتنا ومستقبلنا .
- اشركني معك .
- بصراحة يا مها ، أنا قلق جدًا.
- لماذا .. هل أنت تعب من شيء ؟
- أأخبر والدتك بمرضي . وهل هذا سيؤثر على زواجنا ؟
- هذا أمر خاص بنا ، ولا أحب أن يعلم به أي شخص حتى لو كانت والدتي .
- أشعر أني أخدعها .
- أنت تعطي الموضوع أكبر من حجمه ، فضلاً عن أنك في سبيلك إلى الشفاء التام إن شاء الله .
- أريد أن أزوركم ، وأقابل والدتك؟
- سأحدد موعدًا وأخبرك به في القريب ." ص 42- 43 .
وكان العلاقة دائما بينهما أيضا على موعد مع الانتظار ، وهو تأسيس أيضا لفكرة الإرجاء فى مقابل محاولات أخرى للتجاوز .. ويصبح الأمر فى تغليب للطاقة الإيمانية فى مواجهة الآلام النفسية والاجتماعية والثقافية ، لتلين بعض العوائق وتنطوى حينما يتم طباعة نهار الحلم .. ويصبح الحلم الثقافى حقيقة ، ويتراجع الألم بالتفاعل الصحيح للعلاج العضوى والنفسى أيضا الناتج عن تحقيق أحد الأحلام المهمة للشخصية الساردة فى الرواية ، ويصبح رنين الهاتف مرادفا لرنين الأمل وللمرة الثالثة حين يقول : " رن الهاتف ، وجدت نمرة عماد :
- مبروك ... كتابك صدر .
- الحمد لله " ص61
ولأنها الحياة تمنح وتمنع كانت النهاية معبرة تماما عن طبيعة حركة السرد وبعيدا عن النهايات المفبركة السعيدة فى كل شيء ، فينتهى المطاف بنا عندما يقول متألما أيضا لعدم تحقق حلم الارتباط بمها : " كنت أتمنى أن تكون معي مها ، تشاركني سعادتي .. لكن الدوائر اتسعت واتسعت .. بحثت عن صدى صوتها.. انفرط هنا أو هناك .. أجدني أقف على حافة السراب ." ص62
يتضح لنا جليا أننا بصدد رواية مقاومة استطاع الراوى أن يجعلنا نسير معه منتعاطف معه فى سكونه وحركته ، فى أمله ويأسه ، فى استسلامه وصموده ، لأنه امتلك مبادرات سردية مهمة جعلتنا فى حالة استنفار دائم للتلقى ومداومة القراءة .
فنحن بصد رواية نفسية فى المقام الأول . رواية تكون فيها الأحداث مسجلة، على نحو ذاتي، في ذهن واحد أو أكثر من شخصياتها، وتلعب فيها عمليات الوعي دورا مشوقا يعدل دور الأحداث الخارجية أو يفوقه أهمية. وفي الرواية النفسية تقدم الأحداث، لا وفقا لتسلسلها الزمني، ولكن كما تتداعى في ذهن البطل أو غيره من شخصيات الرواية.
شكرا للأديب وائل وجدى أن قدم لنا عملا راقيا ومهما فى مجال الرواية النفسية دون أن يتدخل فى عملية السرد ودائما إلى المميز والجديد ننتظره من كاتب يخلص للكتابة ويؤمن بالحذف والتنقيح

المراجع والمصادر
ساقى اليمنى – رواية – وائل وجدى – دار شرقيات
علم النص الأدبي – د. مدحت الجيار – كتاب الجمهورية ص119
قضايا أدبية عامة – ايمانويل فريس ت. د. لطيف زيتونى . عالم المعرفة – عدد 300- 2004
فى نظرية الرواية – د .عبدالملك مرتاض – عالم العرفة عدد 240 -1998 – ص 184

الجمعة، 17 يوليو 2009

العزف على أوتار بشرية لمحمد نجيب عبدالله

العزف على أوتار بشرية
بقلم / محمود الديدامونى


منذ أن قرأت هذه المجموعة القصصية " العزف على أوتار بشرية " للقاص د / محمد نجيب عبدالله ، وأنا تتواتر على عقلى جملة من الأفكار تتعلق بشخصيات وتقنيات السرد والكتابة لما فيها من قدرات قصصية عالية ، وليس ذلك بغريب على الكاتب فقد نال عدة جوائز كبيرة فى هذا الفن المراوغ والذى يحتاج لقدرات خاصة لا تتوفر لكثير من المبدعين ، كما يقول إدجار ألن بو وهو يتحدث عن القصاص الأمريكى " هوثورن ": ( تقدم القصة الحقة ، مجالا أكثر ملائمة ، دون شك لتدريب القرائح الأكثر سموا ، مما يمكن أن تقدمه مجالات النثر العادية الأخرى ، فالقاص القدير هو الذى يبنى قصة ،لن يشكل فكره ليوائم أحداثه إذا كان فطنا ، إلا بعد أن يدرك جيدا أثرا ما ، وحيدا ومتميزا ، عندئذ يخترع الأحداث ويركبها بطريقة تساعد فى إحداث الأثر الذى أدركه " " 1 " القصة العربية – دراسة ومختارات- د. الطاهر مكى. دار المعارف 1992
الزمن عنصر فاعل فى البناء السردي
والسؤال هل فعل هذا الدكتور محمد نجيب عبدالله فى قصصه ، الحقيقة أن القاص فعل الكثير من تلك الرؤية التى ساقها ألن بو وكانت قصص المجموعة بداية من " يوم جمعة " والتى جاء كنكرة وبغير تحديد مقصود من الكاتب ليدل على براعة لغوية ترمى إلى دلالة الاستمرار والتمييع إن جاز القول .. لنشير إلى أي يوم من أيام الجمعة دون تحديد لزمنيته الضيقة ، وليقدم للقارئ قصة زمنية فى المقام الأول ، مدركا حقيقة الزمن فى البناء السردي لتلك القصة الجميلة وسر جمالها يكمن فى إصرار الكاتب على الضرب على زمنية القصة وكأنه يريد أن يقول للقارئ أقدم لك قصة زمنية وأنا أعى ذلك ، ورغم حالة الوعي التى كتبت بها القصة إلا أن هذا الوعى كان له ما يبرره فقد جاي الأمر كله على لسان البطل ومن خلال سلوكه وأفعاله ، فقط أتحدث عن أليه السرد كأداة طيعة فى يد الكاتب يقول فى قصة " يوم جمعة " فى أول عبارة بها : ( حين جاء الصباح .. ) بداية زمنية استهل بها الكاتب قصته ليضعنا على عتبة الحدث فى إطار الحيز / المكان منطلقا بالبطل عبر فضاءات السرد ليدرك البطل ان هذا اليوم / الزمن – عطلة – ( وللمرة الأولى يدرك أن اليوم عطلة ) ص9 .. ينتقل البطل من مكان إلى مكان عبر زمن هو لا يرد أن يعرفه ، فما زال البطل يصر فى قرارة نفسه الانتصار على هذا الزمن وراح يكرر السؤال الذى لايود أن يجد له إجابة فيقول عبر نقلات القصة النوعية ( كم الساعة الآن .. ؟ ص10 ، 12، 15 ، 17 20 ، 21 ،) ثم أحس بضرورة الرجوع إلى الزمن فكان السؤال ( أين هى الساعة الآن .. ؟ ) ص18 عبر تلك الأزمنة التى عاشها البطل فى يوم ... هى على مستوى السرد تمثل يوم جمعة ، لكنها تمثل حزمة من الأزمنة داخل هذا الزمن الضيق ، فود لو قاسم الشحاذ فى ماله الذى اكتسبه بعد صلاة الجمعة من المصلين الذين هم أكثر منه عوذا وفاقة ، لذلك كان الفعل منه معبرا عن ضرورة اللجوء أحيانا إلى العبثية للتغلب على كل ما يقابله المرء من عقبات ( قام الشحاذ يهتف فى المصلين .. ذكر كثيرا من قبيل الزوجة الميتة والأطفال المرضى .. ، العملية اللازمة ... الخ انهالت عليه صدقات المصلين ، وهو يراقبه فى حسد ........ ) حتى يصل إلى ... ( انفجر ضاحكا متخيلا نفسه بدلا من الشحاذ ... يلاحقه سخط رهيب من جموع المصلين وإمام المسجد .. ) حتى من الشحاذ نفسه الذى سخط من فعلته تلك لأنها شتت ذهن الناس عن التبرع .. ثم الاستمرار فى الحدث واللجوء إلى التطواف عبر الزمن وعقد المقارنة بين الأشياء من خلال رؤية زمنية أيضا فكل شئ فى هذه القصة يحدث فى زمن ويعالج فى زمن ويخرج من زمن وهذا سر ثراء هذا النص ، فلم يهرب الخيط من القاص ، وكم كانت النهاية رائعة لأنها جاءت حسبما رأيت بفعل التأثير الإيجابي للزمن على تلك العلاقة بين البطل وزوجته ، تلك التى تركها منذ الصباح الباكر وعاد إليها بعد يوم طويل من التطواف خارج حدود المكان الذى اعتاد أن يقضى فيه يوم عطلته وكأنه مشهد سينمائى يختتم القاص تلك القصة قائلا : ( أمر السائق بالإسراع .. وما أن توقف حتى كان يلقى له بالنقود ويسرع كما لو أن قطارا سيفوته ... ولج الحارة .. وأخذ يجرى ويجرى ويجرى .. تماما كما فى الصباح ) ثم يدخل فى حالة الفلاش باك لهذا اليوم ، حتى ينتهى قائلا : (وفى مشهد ظل عالقا فى ذهن كل أهل الحى كنموذج للغرابة ..
تلقف زوجته بين ذراعيه .. واحتضنها فى قوة أدهشتها هى.. وسربت الحمرة من عينيها إلى خديها .. غالبت دموعها وهى تقول : قلقتنا عليك ... خير ؟ ) ولعل هذه الجملة الحوارية الوحيدة داخل هذا النص لتدلنا على أن القاص أحكم طريقة السرد فلم يلجأ إلى اداة من أدوات السرد إلا فى حينها ..
المكان :
بعيدا عن الكلام التنظيرى عن أهمية المكان فى البناء القصصى حيث لا يتم حدث إلا فى إطار مكانى أوحيز سردي ، وما يلزم ذلك من الاهتمام بالأفعال الدالة على ذلك .. لكن نذهب مباشرة إلى قصة المحطة : وكأن القاص يريد أن يخبرنا أيضا أن المكان هو حاضر بقوة فى هذه المجموعة ، فكما قدم قصة زمنية " يوم جمعة " يستطيع أن يقدم قصة مكانية أيضا " المحطة " بحيث يلعب المكان دور البطولة .. وللحق فقد قدم القاص لوحة مشحونة بالمشاعر وكأنها لوحة سريالية لتلك المشاعر ، منطلقا من المحطة كمكان لأحداثه ، ليدخلنا إلى مكان آخر هو معنوى أكثر من كونه إطارا ماديا ، النفس البشرية هنا – بما تحمله من متناقضات – ( بدأت أتشاغل بمراقبة السيارات فى الطريق – تطورت المراقبة إلى حسد لهؤلاء الذين يركبون السيارات الواحد تلو الآخر ... الخ ) ص94
بينما الراوى البطل يبرز لنا سيطرة هذه المشاعر على بقية المشاعر الأخرى ، وكأن المرء يستطيع أن يتحكم فى توجيه مشاعره فى زمن كهذا وظروف كتلك التى يرويها البطل ، ثم ينطلق من المكان المعنوى – إلى المكان المادى مرة أخرى بما يحويه تلك الطفلة التى تداعبه ويداعبها من نافذة سيارتها على اعتبار أنها نقطة الضوء الوحيدة التى أطلت عليه لتخرجه عن عالمه المعنوى المشحون بالضغينة ، ( نظرت لى مباشرة .. فى عيني .. ولكنى لم أملك أن أغير من الإجهاد البادي على وجهى شيئا .. فضحكت .. ثم خبأت وجهه الصغير بكفيها الدقيقين .. فأخذت أحرك حاجبىّ ألاطفها .. ) ص95 .. تلك اللوحة الفنية الجميلة التى رسمها الأديب محمد نجيب عبدالله بعناية لتنتهى بتحقيق الأمل المركب الذى طرحه فى بداية القصة بوصول الأتوبيس ( تبتعد وقد برزت من شباك السيارة وهى تلوح لى فى سعادة ...
فوجدت أمامي الأتوبيس فجأة ... !! )ص96 وكأن الطفلة او هذا العالم الجميل البرئ يأتى ومعه كل مفاتيح الحياة ومباهجها الجميلة القابلة للتحقيق ..
ولعل ما قاله " سارتر " عن الكتابة كونها كشف للعالم ، حيث يلجأ الكاتب إلى ضمير الآخر بغية الاعتراف به عاملا جوهريا فى مجموع الكون وهى رغبة الكاتب فى أن يحيا معترفا له بذلك على يد وسطاء من الناس " 2 " " ما الأدب " جان بول سارتر – مكتبة الأسرة
وما نجده فى قصة " غربة " يدلنا على حميمية القاص بواقعه الاجتماعى متناولا ذلك فى إطار من المزاوجة بين الواقعى والفنتازى حيث يتعرض فى أولا : صعودا لمشكلة ضيق ذات اليد عند الشباب دون اللجوء إلى الدخول فى المنمنمات الصغيرة أو اللجوء إلى الوصف فيندفع بالمتلقى مباشرة عبر كلمة أو عبارة دالة موحية جاعلا بذلك المتلقى على أعتاب النص من منطلق المشاركة من المتلقى فى تخيل الواقع ( لم يجد عملا للمرة الألف .. ) وينطلق إلى الحدث يستسلم فيه للواقع ممنطقا ذلك وقد يكون ذلك المنطق لا يقبل الرفض ...
ثم من منطقية الاستسلام إلى عبثيته نجد الفقرة الثانية " هبوطا " والتى يستسلم فيها البطل لطقوس الموت متلذذا بما آل إليه ، ليعلن فى خبث محمود أن الموت أضحى أفضل من الحياة .. وهى مطابقة لا تخلو من فلسفة جميلة ..
ثم ينطلق بنا القاص إلى المحاورة بين الواقع والحل " صعودا " ، فالشباب يرى فى الغربة حلا ، والضابط المسئول بالجوازات يتعارض كونه لا يدرك الواقع لذلك لم يكن ثمة نتيجة من الحوار ( لماذا تسافر ؟ ! نظر إلى الأرض مطرقا وقال : غربة ص88
ويهبط بنا أخرى نحو فكرة الموت باعتبارها الخلاص .. ثم يصعد فى لوحة شعرية راقية .. تتوحد فيها المشاعر ويعزف فيها على وتر الانتماء فيقول : ( سماع أغنية مصرية بمثابة الكنز بالنسبة إليه .. وحين يشترى جريدة من الوطن يقرأ كل سطر فيها .. حتى صفحة الوفيات .. وبعد أن يفرغ منها يتغطى بها مؤملا أن تتسرب كلماتها داخله ، وتقتل غربته .. لكنها أبدا لم تفعل .. ولسانه يلهج بالحنين فى كل موضع ..) ص 89
ثم يهبط للمرة الثالثة ليخبرنا بنفس المفهوم العبثى فى أن الغربة إرثها .. يكاد – بل يمثل عبئا – ثم يصعد للمرة الأخيرة ليهبط إلى الأبد ، حيث يعجز فى الدفاع عن نفسه مختتما تلك الغربة بمأساة حقيقية وهى التجارة فى جثث الموتى ليصبح جثة مباعة بأبخس الأثمان لطالب يدرس التشريح ، وكان القاص نسج هذا العالم بين المعقول والامعقول والمزاوجة الزمنية والمكانية بين الصعود والهبوط المتكرر لنصل فى النهاية إلى نقطة فارقة من العبث الذى صار واقعا أو الواقع الذى تخطى حدود العبث
إننا بصدد مجموعة قصصية ثرية ، لقاص يدرك ماهية الكتابة ، ويمتلك طاقة كبيرة للإبداع الجميل



الأربعاء، 15 يوليو 2009

ليست كغيرها فى اتحاد الكتاب

نوقشت المجموعة القصصية "ليست كغيرها " لمحمود الديدامونى فى اتحاد كتاب مصر
بحضور عدد كبير من المبدعين والنقاد
منهم د / السيد نجم
الشاعر / علاء عيسى
الناقد / صادق إبراهيم
الأديب / حسن الجوخ
الشاعر / عبدالناصر العطيفى
الشاعر مجدى عبدالرحيم
الشاعر / نبيل مصيلحى
الشاعرة / وفاء أمين
القاصة / صفاء شمندى
الأديب / أحمد محمد عبده
الكاتب / عاطف عز الدين
الكاتب / وائل وجدى
بدعوة كريمة من شعبة القصة والرواية برئاسة المبدعة هالة فهمى التى اعتذرت لظروف خاصة بينما أدار الندوة الشاعر والمسرحى الكبير / حزين عمر سكرتير عام اتحاد الكتاب ..
وكانت ندوة ممتعة ومثيرة من النقاد والمتداخلين على حد سواء