الاثنين، 20 يوليو 2009

الأمل فى مواجهة الأمل .. قراءة فى رواية ساقى اليمنى لوائل وجدى

الأمل فى مواجهة الألم
قراءة فى رواية ساقى اليمنى لوائل وجدى
بقلم محمود الديدامونى



منذ الوهلة الأولى لتصفح هذا النص الروائى " ساقى اليمنى " 1 " للأديب وائل وجدى ، نلمح تعلقا شديدا بالأمل هذا الأمل يرتكز على إيمان راسخ بالله سبحانه وتعالى لدى شخصية الراوى البطل ، فالشخصية فى هذه الرواية شخصية تحمل مقومات الشخصية المتمسكة بالقيم والدين ، فيما يتعلق بالصبر والتوكل على الله فى مواجهة ما قد يعترضها من أمور ، فالرواية هنا رواية إنسانية تمتلك شخوصا محددة المعالم ، وأماكن محددة تحديدا دقيقا وزمانا يضيق ويتسع حسب متطلبات السرد الروائى ، والإنسان أثناء عملية التواصل ، لابد أن يدرك مجموعة العلاقات النفسية والاجتماعية والعاطفية التى تتيح لنا التواصل الحميم مع الشخصيات ومع البناء السردى للنص الروائى على اعتبار أننا نقرأ النص الأدبى كما أشار " تودروف " " 2 " من زاوية علمية ، لأن الهدف أن نقترب من أدبية النص ومن خصوصيته مع تفكيك علاقات النص وتحديد خصائصه الجمالية وما وراءها من دلالات ، ويدفعنا أيضا إلى قضية قراءة النص بالنسبة إلى البنيوية كما أشار " شولز " من استلزام وجود طرق مقبولة لدمج البعد السيمانتى ( الدلالى / العلامى ) داخل البنية ، لأن هذا البعد السيمانتى ( الدلالى / المعنوى ) لا يقف ضد جماليات الشكل ، بل هو جزء منه ، فسلسلة العلاقات تساعد النص على البنيان ، وتدفع بأجزائه نحو إكمال نفسه ،وإكمال الدلالة فى الوقت نفسه ، بينما يقف البعد السيميائى فى انتظار التأويل والتفسير " 3 " .
كما أتذكر رأيا لـ "رومان ياكبسون " قائلا : أن ما يجعل من الأدب أدبا ليس هو الأدب وإنما الأدبية، كما أن القواعد الجمالية الموجودة في نص ما لا تمثل إلا جزءا من قواعد أخرى ممكنة،وفى الحقيقة كانت البداية فى هذا النص دافعا لتلك المقدمة حيث يقول :
أجلس على حرف السرير ..
أتابع خيوط الصبح ، تنسل من نافذة حجرتي ..
ينسحب الغبش رويدًا ، رويدًا ..
يهل صبح جديد ؛ عابقًا بندى الأمل ...
أردد : يا رب .. " الرواية ص14 "
حيث جاءت المقدمة على طريقة السطر الشعرى ، لتعطينا مساحات واسعة من البياض يقابل هذا الإطار الشكلى للجو النفسى والبناء النفسي للشخصية البطلة ، وكأن هذا البياض على مستوى الشكل يصاحبه مساحة للأمل ، فالكاتب / الراوى يؤسس لتلك الفكرة ( الأمل ) منذ البداية وحتى النهاية ، وكأنها حالة من الصراع والمقاومة بين الراوى البطل وبين المرض من جهة وبينه وبين الواقع الاجتماعي والثقافى من ناحية أخرى ، تلكالمقاومة بين االصحة و المرض. حيث نلمح خيوط للإرادة عبر صفحات الرواية.. تؤكد على الفعل المقاوم للمرض وللواقع الثقافى والاجتماعي من ناحية أخرى. يصل بنا السرد إلى حقيقة مهمة تتعلق بمعاناة البطل حيث يقول " لم يكن ألمًا ، إنما مغصًا لا يحتمل في أعلى الساق اليمنى . كثير من الليالي ، لم أستطع أن أنام أو أتحرك في السرير من شدة الوجع . أخذت أنواعًا متعددة من المسكنات ؛ ليهدأ الألم بضعة أيام ، ثم يعود مرة أخرى . " ص 10
ثم يندفع السرد بنا إلى نقطة تعيق تحقيق الأمل من خلال تركيبة نفسية صرفة تتعلق بالميول والرغبات ، والاكتفاء بالشكلانى على حساب الجوانى أو الداخلي حينما يقول " عندما صافحني وجهه لأول مرة ، لم أرتح له .. لا تشعر أنه يتحلى بسيماء الطبيب ." ص11
وقد ساعد على ذلك التراكم الثقافى والمعرفى الذى ساهم بقدر فى تشكيل وجدان شخصية البطل من مشاهدة الأفلام القديمة ( أبيض – أسود ) .. قد يكون معللا ذلك الرأى حول طبيعة الطبيب من خلال هذه المنطقة السردية فيقول " طلب مني إجراء أشعة على الساق بعد أن قام بتحريك ساقي . ذكّرني بمجبراتي الأفلام الأبيض والأسود .أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته ، نفث دخانها في فضاء الحجرة الرطبة " .. هذا البناء النفسى للشخصية جعلها تندفع فى الحكى دون تراتبية زمنية ، يعود مرة إلى مرحلة الطفولة ومرة أخرى يندفع إلى زمن الحكى أو السرد وثالثة إلى موقف قريب ..فمثلا يقول : " منذ الطفولة لا أحب أخذ الحقن .. تذكرني بحقن التطعيم ضد الأمراض الموسمية ، لم أكن أعلم أنها ستكون وسيلتي الوحيدة في تخفيف آلامي المبرحة في ساقي اليمنى . " ثم انتقل الراوى إلى زمن الحكى بانسيابية قائلا : " أجد سعادة في قراءة أوراقي .. أتأملها .. أعيد صياغة القصص حتى أرضى عن تماسك بنائها ، رغم أن الجلوس على كرسي المكتب يحث نثار الألم أن يعصر ساقي اليمنى " ص 12 ..وهنا تظهر القدرة العالية للكاتب فى عملية السرد إذ كلما أحسسنا بتضيق الخناق النفسى على الشخصية كلما كانت هناك مساحات مضادة وفى مواجهة هذا التضييق ، هى إذن انفراجة سردية تطل علينا من حين إلى آخر تأتى فى زمانها ومكانها ..
البناء للأمل يسير فى اتجاهين :-
أولا : - عندما يظهر رقم اتحاد الكتاب إلى شاشة الهاتف المحمول ص13 فيقول : " . فجأة ، يرن الهاتف المحمول ، أنظر إلى شاشته : رقم اتحاد الكتاب ، يأتيني صوت "حسين ":
- مجموعتك القصصية ذهبت إلى هيئة الكتاب ضمن مجموعة من الكتب . " .
وكثيرا ما تأتى مساحات شاسعة للألم عبر الرواية .. وكان الأمر هو تعبير عن حالة الند للند المرض فى مواجهة الصحة ، الأمل فى مواجهة اليأس ... الخ فيقول : " بعد أسبوع . ذهبت إلى الطبيب حاملاً معي الأشعة ، والتقرير الطبي . تفحصهما بعدم اكتراث ، وأردف:
- الأشعة الحالية لم تحسم الحالة . نحتاج أشعة رنين مغناطيسي لعلها تفسر لنا الحالة . "
وتستمر حالة الهبوط النفسي لدى شخصية الراوى البطل وكان السارد يريد أن يصل بنا إلى حالة فقدان للحبل السرى الذى يربط بين الأمل ومقاومة الألم ومواجهته ، .. " خرجت من عيادة الطبيب أجر ساقي اليمنى . حالتي النفسية هبطت إلى قاع الجب السحيق . " ص19
ثم يعود بنا إلى جملة الأسئلة التى تسير فى نفس المنحى من مؤثرات طالت التركيبة النفسية للشخصية الساردة " هل من كنت في مجلسه طبيب ، أم يمتهن مهنة أخرى . أقسمت ألا أدخل عيادته مرة أخرى . ولن أعير لرأيه اهتمامًا.
دخلت إلى دوائر الدهشة والحيرة . ماذا أفعل ؟ "ص19 ..
ويستمر السارد فى المزاوجة بين المادى والمعنوى حين يقدم عبارة سردية مهمة للغاية فى تبيين ما طال التركيبة النفسية للشخصية ، فيقول : "لم أستطع أن أنام ، مكثت جالسًا في الشرفة.. أنظر إلى السماء الخالية من القمر . " ص19 ويقاوم البناء العقائدى الإيماني للشخصية .تلك المساحة من العتمة التى طالت التركيبة النفسية ، على اعتبار غياب القمر هو غياب لطاقة النور ومساحة الأمل ، ويظهر هذا الانتصار للتركيبة الإيمانية حينما يقول : " . قبل بزوغ الفجر ، اهتديت إلى ضرورة الذهاب إلى طبيب آخر " ص19
ونعود إلى التركيبة النفسية حسب مدرسة التحليل النفسى فى الاعتماد فى تحليلها على للشخصية على الثلاثية ( الهو / الأنا / الأنا الأعلى ) وتأثير كل ذلك فى تشكيل سلوكيات الفرد ، حيث لا يمكن أن يرد كل شيء للمزاجية بل لابد من ارتباط وثيق بين الفعل ورد الفعل ، ووجوب ان تكون المقدمات للفعل كافية لرد فعل بعينة يتعلق بطبيعة الشخصية وتاريخها الاجتماعى والنفسى ، فيوضح السارد الأسباب التى جعلته يستريح هذه المرة لهذا الطبيب الجديد وكأن الصورة مغايرة لتلك بما تملكه تلك الصورة من معطيات فيقول : " فور دخولي حجرة الكشف ، أحسست أني في عيادة مختلفة .. المراجع الطبية منتشرة في أرجاء الحجرة .. الطبيب يجلس أمام الكمبيوتر ، ملامحه ودودة . بنبرات هادئة :
- تفضل . " ص19
إشارة نفسية أخرى يقدمها السارد ص21 حين يقول : " يضايقني الانتظار . أصفاده تكبل حريتي وانطلاقي . ".
ثانيا : - عندما يرن الهاتف مرة أخرى .. وكان الهاتف هنا أصبح محفزا سرديا وكوحدة دالة على بزوغ الأمل من جديد ، وهذه المرة يكون الأمل متعلقا بالعاطفة والعلاقات الاجتماعية ، يرن الهاتف المحمول .. انظر إلى شاشته ، أجد نمرة " مها " ..... نقطتان للضوء تبزان من حين إلى آخر، ولعل عنوان المجموعة القصصية التى اختارها السارد " نهار الحلم " يدل بوضوح على مدى تعلق السارد بهذا النهار الحلم أو هذا الحلم النهار.. ، ليضعنا أيضا أمام حلم جديد من خلال علاقته بمها ويضع الأمر برمته على عتبة الانتظار قائلا : " اتصال " مها " جعلني أتفاءل نوعًا ما . أمازالت تحبني رغم شهور البعاد ، أكنت أنتظر هاتفها ؟ مشاعر متضاربة تستعر بقلبي المحب . بالفعل أوحشتني ، لن أتردد.. سأتصل بها .
- مها ، سأنتظرك في مكاننا . " ص36
هذا الاتصال وذلك اللقاء وضعنا على أعتاب نفسية بحته لطبيعة المرض الذى ألم بالساق اليمنى ، وكأن المرض نفسى هكذا جاء الأمر فى البناء السردى حين يقول : " لا أعرف ما حدث لي ؟ ألم ساقي اليمني اختفى فجأة . أتمني أن أصل قبل مجيئها ، أنتظرها في ظلال شجرتنا " ص36 وهذا ما يمكن أن نسميه بالعلاج النفسى للأمراض العضوية .. وبذلك الظهور لجناح الأمل الثانى ، ظهور " مها " يقول : رن المحمول ، جاءني صوت مها الحاني :
- تصبح على خير ..
بدأ الألم يخف من أعلى الساق اليمنى ، شعرت أنني لست في حاجة إلى العكاز ، تركته على الكنبة الخلفية لسيارتي .
أمشي ببطء بدون عرج - ملحوظ - أجلس على مكتبي بدلاً من الأريكة ، أنجز العمل المطلوب بسرعة وإتقان.. "
ومن خلال هذا الصراع الذى يتنازع السارد تظهر " مها " كمحفز على مواجهة الألم والتمسك بالأمل
الشخصية والحوار : -
إن الشخصية هى التى تكون واسطة العقد بين جميع المشكلات الأخرى ، حيث هى التى تصطنع اللغة ، وهى التى تبث أو تستقبل الحوار ، وهى التى تصطنع المناجاة ، وهى التى تصف معظم المناظر التى تستهويها وهى التى تنجز الحدث وهى التى تنهض بدور تضريم الصراع أو تنشيطه من خلال سلوكها وأهوائها وعواطفها " 4 " – مع مراعاة عدم تدخل الكاتب فى توجيه حركة السرد ، وللحقيقة فنحن أمام كاتب لم يتدخل فى دعم الراوى / السارد وإنما ترك للسارد مطلق الحرية فى السيطرة على الأمر ، من خلال السرد بضمير الأنا .. الذى ساعد على إذابة الفوارق الزمنية والسردية بين السارد والشخصية والزمن جميعا ، فكانت الشخصية الساردة محور العمل الروائى ذلك الذى نشعر منه للوهلة الأولى أن الرواية تسير فى فلك السيرة الذاتية ، وهذا ما لم أجده بعد الاستمرار فى القراءة ، حيث جاء السرد بعيدا عن تلك المنطقة ، بل هذا الضمير جعلنى ملتصقا بالعمل السردي ومتعلقا به .. متوهما فقط أن المؤلف هو إحدى الشخصيات التى تنهض عليها الرواية
كما يتعاظم دور الحوار فى هذا العمل رغم قلة شخصياته فهو بين شخصية بطلة وشخصيتين ثانويتين " مها " وحسين " وشخصيات أخرى هامشية تستدعى ما كانت الضرورة .. ويصبح الحوار فاعلا فى تحريك حركة السرد والانتقال من منطقة لأخرى فمثلا نجد ه يقول : " . جلست أتابع الطبيب وهو يفحص الأشعة المختلفة بعناية بالغة بوجه باش ونبرات هادئة :
- تقرير العينة يبين أن هناك خلية ورم ليمفاوي .
قلت :
- هل تقبل العلاج ؟
قال :
- إنه يقبل العلاج القاطع إن شاء الله "
وكانها توأمة إيمانية بين الطبيب وبين مريضه تظهر من خلال هذا الحوار العابر ليتعلق المريض السارد بالأمل من جديد ، ثم نعود لنقطة ظهور مها كمحفز على مواجهة الألم من خلال الحوارات المتعددة التى دارت بينه وبينها فمثلا نجد ص46 يقول : " انتبهت على مها تجلس في الكرسي المقابل لي على المائدة ، باسمة الثغر:
- لهذه الدرجة لم تشعر بي .
- أسرح في حياتنا ومستقبلنا .
- اشركني معك .
- بصراحة يا مها ، أنا قلق جدًا.
- لماذا .. هل أنت تعب من شيء ؟
- أأخبر والدتك بمرضي . وهل هذا سيؤثر على زواجنا ؟
- هذا أمر خاص بنا ، ولا أحب أن يعلم به أي شخص حتى لو كانت والدتي .
- أشعر أني أخدعها .
- أنت تعطي الموضوع أكبر من حجمه ، فضلاً عن أنك في سبيلك إلى الشفاء التام إن شاء الله .
- أريد أن أزوركم ، وأقابل والدتك؟
- سأحدد موعدًا وأخبرك به في القريب ." ص 42- 43 .
وكان العلاقة دائما بينهما أيضا على موعد مع الانتظار ، وهو تأسيس أيضا لفكرة الإرجاء فى مقابل محاولات أخرى للتجاوز .. ويصبح الأمر فى تغليب للطاقة الإيمانية فى مواجهة الآلام النفسية والاجتماعية والثقافية ، لتلين بعض العوائق وتنطوى حينما يتم طباعة نهار الحلم .. ويصبح الحلم الثقافى حقيقة ، ويتراجع الألم بالتفاعل الصحيح للعلاج العضوى والنفسى أيضا الناتج عن تحقيق أحد الأحلام المهمة للشخصية الساردة فى الرواية ، ويصبح رنين الهاتف مرادفا لرنين الأمل وللمرة الثالثة حين يقول : " رن الهاتف ، وجدت نمرة عماد :
- مبروك ... كتابك صدر .
- الحمد لله " ص61
ولأنها الحياة تمنح وتمنع كانت النهاية معبرة تماما عن طبيعة حركة السرد وبعيدا عن النهايات المفبركة السعيدة فى كل شيء ، فينتهى المطاف بنا عندما يقول متألما أيضا لعدم تحقق حلم الارتباط بمها : " كنت أتمنى أن تكون معي مها ، تشاركني سعادتي .. لكن الدوائر اتسعت واتسعت .. بحثت عن صدى صوتها.. انفرط هنا أو هناك .. أجدني أقف على حافة السراب ." ص62
يتضح لنا جليا أننا بصدد رواية مقاومة استطاع الراوى أن يجعلنا نسير معه منتعاطف معه فى سكونه وحركته ، فى أمله ويأسه ، فى استسلامه وصموده ، لأنه امتلك مبادرات سردية مهمة جعلتنا فى حالة استنفار دائم للتلقى ومداومة القراءة .
فنحن بصد رواية نفسية فى المقام الأول . رواية تكون فيها الأحداث مسجلة، على نحو ذاتي، في ذهن واحد أو أكثر من شخصياتها، وتلعب فيها عمليات الوعي دورا مشوقا يعدل دور الأحداث الخارجية أو يفوقه أهمية. وفي الرواية النفسية تقدم الأحداث، لا وفقا لتسلسلها الزمني، ولكن كما تتداعى في ذهن البطل أو غيره من شخصيات الرواية.
شكرا للأديب وائل وجدى أن قدم لنا عملا راقيا ومهما فى مجال الرواية النفسية دون أن يتدخل فى عملية السرد ودائما إلى المميز والجديد ننتظره من كاتب يخلص للكتابة ويؤمن بالحذف والتنقيح

المراجع والمصادر
ساقى اليمنى – رواية – وائل وجدى – دار شرقيات
علم النص الأدبي – د. مدحت الجيار – كتاب الجمهورية ص119
قضايا أدبية عامة – ايمانويل فريس ت. د. لطيف زيتونى . عالم المعرفة – عدد 300- 2004
فى نظرية الرواية – د .عبدالملك مرتاض – عالم العرفة عدد 240 -1998 – ص 184

الجمعة، 17 يوليو 2009

العزف على أوتار بشرية لمحمد نجيب عبدالله

العزف على أوتار بشرية
بقلم / محمود الديدامونى


منذ أن قرأت هذه المجموعة القصصية " العزف على أوتار بشرية " للقاص د / محمد نجيب عبدالله ، وأنا تتواتر على عقلى جملة من الأفكار تتعلق بشخصيات وتقنيات السرد والكتابة لما فيها من قدرات قصصية عالية ، وليس ذلك بغريب على الكاتب فقد نال عدة جوائز كبيرة فى هذا الفن المراوغ والذى يحتاج لقدرات خاصة لا تتوفر لكثير من المبدعين ، كما يقول إدجار ألن بو وهو يتحدث عن القصاص الأمريكى " هوثورن ": ( تقدم القصة الحقة ، مجالا أكثر ملائمة ، دون شك لتدريب القرائح الأكثر سموا ، مما يمكن أن تقدمه مجالات النثر العادية الأخرى ، فالقاص القدير هو الذى يبنى قصة ،لن يشكل فكره ليوائم أحداثه إذا كان فطنا ، إلا بعد أن يدرك جيدا أثرا ما ، وحيدا ومتميزا ، عندئذ يخترع الأحداث ويركبها بطريقة تساعد فى إحداث الأثر الذى أدركه " " 1 " القصة العربية – دراسة ومختارات- د. الطاهر مكى. دار المعارف 1992
الزمن عنصر فاعل فى البناء السردي
والسؤال هل فعل هذا الدكتور محمد نجيب عبدالله فى قصصه ، الحقيقة أن القاص فعل الكثير من تلك الرؤية التى ساقها ألن بو وكانت قصص المجموعة بداية من " يوم جمعة " والتى جاء كنكرة وبغير تحديد مقصود من الكاتب ليدل على براعة لغوية ترمى إلى دلالة الاستمرار والتمييع إن جاز القول .. لنشير إلى أي يوم من أيام الجمعة دون تحديد لزمنيته الضيقة ، وليقدم للقارئ قصة زمنية فى المقام الأول ، مدركا حقيقة الزمن فى البناء السردي لتلك القصة الجميلة وسر جمالها يكمن فى إصرار الكاتب على الضرب على زمنية القصة وكأنه يريد أن يقول للقارئ أقدم لك قصة زمنية وأنا أعى ذلك ، ورغم حالة الوعي التى كتبت بها القصة إلا أن هذا الوعى كان له ما يبرره فقد جاي الأمر كله على لسان البطل ومن خلال سلوكه وأفعاله ، فقط أتحدث عن أليه السرد كأداة طيعة فى يد الكاتب يقول فى قصة " يوم جمعة " فى أول عبارة بها : ( حين جاء الصباح .. ) بداية زمنية استهل بها الكاتب قصته ليضعنا على عتبة الحدث فى إطار الحيز / المكان منطلقا بالبطل عبر فضاءات السرد ليدرك البطل ان هذا اليوم / الزمن – عطلة – ( وللمرة الأولى يدرك أن اليوم عطلة ) ص9 .. ينتقل البطل من مكان إلى مكان عبر زمن هو لا يرد أن يعرفه ، فما زال البطل يصر فى قرارة نفسه الانتصار على هذا الزمن وراح يكرر السؤال الذى لايود أن يجد له إجابة فيقول عبر نقلات القصة النوعية ( كم الساعة الآن .. ؟ ص10 ، 12، 15 ، 17 20 ، 21 ،) ثم أحس بضرورة الرجوع إلى الزمن فكان السؤال ( أين هى الساعة الآن .. ؟ ) ص18 عبر تلك الأزمنة التى عاشها البطل فى يوم ... هى على مستوى السرد تمثل يوم جمعة ، لكنها تمثل حزمة من الأزمنة داخل هذا الزمن الضيق ، فود لو قاسم الشحاذ فى ماله الذى اكتسبه بعد صلاة الجمعة من المصلين الذين هم أكثر منه عوذا وفاقة ، لذلك كان الفعل منه معبرا عن ضرورة اللجوء أحيانا إلى العبثية للتغلب على كل ما يقابله المرء من عقبات ( قام الشحاذ يهتف فى المصلين .. ذكر كثيرا من قبيل الزوجة الميتة والأطفال المرضى .. ، العملية اللازمة ... الخ انهالت عليه صدقات المصلين ، وهو يراقبه فى حسد ........ ) حتى يصل إلى ... ( انفجر ضاحكا متخيلا نفسه بدلا من الشحاذ ... يلاحقه سخط رهيب من جموع المصلين وإمام المسجد .. ) حتى من الشحاذ نفسه الذى سخط من فعلته تلك لأنها شتت ذهن الناس عن التبرع .. ثم الاستمرار فى الحدث واللجوء إلى التطواف عبر الزمن وعقد المقارنة بين الأشياء من خلال رؤية زمنية أيضا فكل شئ فى هذه القصة يحدث فى زمن ويعالج فى زمن ويخرج من زمن وهذا سر ثراء هذا النص ، فلم يهرب الخيط من القاص ، وكم كانت النهاية رائعة لأنها جاءت حسبما رأيت بفعل التأثير الإيجابي للزمن على تلك العلاقة بين البطل وزوجته ، تلك التى تركها منذ الصباح الباكر وعاد إليها بعد يوم طويل من التطواف خارج حدود المكان الذى اعتاد أن يقضى فيه يوم عطلته وكأنه مشهد سينمائى يختتم القاص تلك القصة قائلا : ( أمر السائق بالإسراع .. وما أن توقف حتى كان يلقى له بالنقود ويسرع كما لو أن قطارا سيفوته ... ولج الحارة .. وأخذ يجرى ويجرى ويجرى .. تماما كما فى الصباح ) ثم يدخل فى حالة الفلاش باك لهذا اليوم ، حتى ينتهى قائلا : (وفى مشهد ظل عالقا فى ذهن كل أهل الحى كنموذج للغرابة ..
تلقف زوجته بين ذراعيه .. واحتضنها فى قوة أدهشتها هى.. وسربت الحمرة من عينيها إلى خديها .. غالبت دموعها وهى تقول : قلقتنا عليك ... خير ؟ ) ولعل هذه الجملة الحوارية الوحيدة داخل هذا النص لتدلنا على أن القاص أحكم طريقة السرد فلم يلجأ إلى اداة من أدوات السرد إلا فى حينها ..
المكان :
بعيدا عن الكلام التنظيرى عن أهمية المكان فى البناء القصصى حيث لا يتم حدث إلا فى إطار مكانى أوحيز سردي ، وما يلزم ذلك من الاهتمام بالأفعال الدالة على ذلك .. لكن نذهب مباشرة إلى قصة المحطة : وكأن القاص يريد أن يخبرنا أيضا أن المكان هو حاضر بقوة فى هذه المجموعة ، فكما قدم قصة زمنية " يوم جمعة " يستطيع أن يقدم قصة مكانية أيضا " المحطة " بحيث يلعب المكان دور البطولة .. وللحق فقد قدم القاص لوحة مشحونة بالمشاعر وكأنها لوحة سريالية لتلك المشاعر ، منطلقا من المحطة كمكان لأحداثه ، ليدخلنا إلى مكان آخر هو معنوى أكثر من كونه إطارا ماديا ، النفس البشرية هنا – بما تحمله من متناقضات – ( بدأت أتشاغل بمراقبة السيارات فى الطريق – تطورت المراقبة إلى حسد لهؤلاء الذين يركبون السيارات الواحد تلو الآخر ... الخ ) ص94
بينما الراوى البطل يبرز لنا سيطرة هذه المشاعر على بقية المشاعر الأخرى ، وكأن المرء يستطيع أن يتحكم فى توجيه مشاعره فى زمن كهذا وظروف كتلك التى يرويها البطل ، ثم ينطلق من المكان المعنوى – إلى المكان المادى مرة أخرى بما يحويه تلك الطفلة التى تداعبه ويداعبها من نافذة سيارتها على اعتبار أنها نقطة الضوء الوحيدة التى أطلت عليه لتخرجه عن عالمه المعنوى المشحون بالضغينة ، ( نظرت لى مباشرة .. فى عيني .. ولكنى لم أملك أن أغير من الإجهاد البادي على وجهى شيئا .. فضحكت .. ثم خبأت وجهه الصغير بكفيها الدقيقين .. فأخذت أحرك حاجبىّ ألاطفها .. ) ص95 .. تلك اللوحة الفنية الجميلة التى رسمها الأديب محمد نجيب عبدالله بعناية لتنتهى بتحقيق الأمل المركب الذى طرحه فى بداية القصة بوصول الأتوبيس ( تبتعد وقد برزت من شباك السيارة وهى تلوح لى فى سعادة ...
فوجدت أمامي الأتوبيس فجأة ... !! )ص96 وكأن الطفلة او هذا العالم الجميل البرئ يأتى ومعه كل مفاتيح الحياة ومباهجها الجميلة القابلة للتحقيق ..
ولعل ما قاله " سارتر " عن الكتابة كونها كشف للعالم ، حيث يلجأ الكاتب إلى ضمير الآخر بغية الاعتراف به عاملا جوهريا فى مجموع الكون وهى رغبة الكاتب فى أن يحيا معترفا له بذلك على يد وسطاء من الناس " 2 " " ما الأدب " جان بول سارتر – مكتبة الأسرة
وما نجده فى قصة " غربة " يدلنا على حميمية القاص بواقعه الاجتماعى متناولا ذلك فى إطار من المزاوجة بين الواقعى والفنتازى حيث يتعرض فى أولا : صعودا لمشكلة ضيق ذات اليد عند الشباب دون اللجوء إلى الدخول فى المنمنمات الصغيرة أو اللجوء إلى الوصف فيندفع بالمتلقى مباشرة عبر كلمة أو عبارة دالة موحية جاعلا بذلك المتلقى على أعتاب النص من منطلق المشاركة من المتلقى فى تخيل الواقع ( لم يجد عملا للمرة الألف .. ) وينطلق إلى الحدث يستسلم فيه للواقع ممنطقا ذلك وقد يكون ذلك المنطق لا يقبل الرفض ...
ثم من منطقية الاستسلام إلى عبثيته نجد الفقرة الثانية " هبوطا " والتى يستسلم فيها البطل لطقوس الموت متلذذا بما آل إليه ، ليعلن فى خبث محمود أن الموت أضحى أفضل من الحياة .. وهى مطابقة لا تخلو من فلسفة جميلة ..
ثم ينطلق بنا القاص إلى المحاورة بين الواقع والحل " صعودا " ، فالشباب يرى فى الغربة حلا ، والضابط المسئول بالجوازات يتعارض كونه لا يدرك الواقع لذلك لم يكن ثمة نتيجة من الحوار ( لماذا تسافر ؟ ! نظر إلى الأرض مطرقا وقال : غربة ص88
ويهبط بنا أخرى نحو فكرة الموت باعتبارها الخلاص .. ثم يصعد فى لوحة شعرية راقية .. تتوحد فيها المشاعر ويعزف فيها على وتر الانتماء فيقول : ( سماع أغنية مصرية بمثابة الكنز بالنسبة إليه .. وحين يشترى جريدة من الوطن يقرأ كل سطر فيها .. حتى صفحة الوفيات .. وبعد أن يفرغ منها يتغطى بها مؤملا أن تتسرب كلماتها داخله ، وتقتل غربته .. لكنها أبدا لم تفعل .. ولسانه يلهج بالحنين فى كل موضع ..) ص 89
ثم يهبط للمرة الثالثة ليخبرنا بنفس المفهوم العبثى فى أن الغربة إرثها .. يكاد – بل يمثل عبئا – ثم يصعد للمرة الأخيرة ليهبط إلى الأبد ، حيث يعجز فى الدفاع عن نفسه مختتما تلك الغربة بمأساة حقيقية وهى التجارة فى جثث الموتى ليصبح جثة مباعة بأبخس الأثمان لطالب يدرس التشريح ، وكان القاص نسج هذا العالم بين المعقول والامعقول والمزاوجة الزمنية والمكانية بين الصعود والهبوط المتكرر لنصل فى النهاية إلى نقطة فارقة من العبث الذى صار واقعا أو الواقع الذى تخطى حدود العبث
إننا بصدد مجموعة قصصية ثرية ، لقاص يدرك ماهية الكتابة ، ويمتلك طاقة كبيرة للإبداع الجميل



الأربعاء، 15 يوليو 2009

ليست كغيرها فى اتحاد الكتاب

نوقشت المجموعة القصصية "ليست كغيرها " لمحمود الديدامونى فى اتحاد كتاب مصر
بحضور عدد كبير من المبدعين والنقاد
منهم د / السيد نجم
الشاعر / علاء عيسى
الناقد / صادق إبراهيم
الأديب / حسن الجوخ
الشاعر / عبدالناصر العطيفى
الشاعر مجدى عبدالرحيم
الشاعر / نبيل مصيلحى
الشاعرة / وفاء أمين
القاصة / صفاء شمندى
الأديب / أحمد محمد عبده
الكاتب / عاطف عز الدين
الكاتب / وائل وجدى
بدعوة كريمة من شعبة القصة والرواية برئاسة المبدعة هالة فهمى التى اعتذرت لظروف خاصة بينما أدار الندوة الشاعر والمسرحى الكبير / حزين عمر سكرتير عام اتحاد الكتاب ..
وكانت ندوة ممتعة ومثيرة من النقاد والمتداخلين على حد سواء

الأحد، 26 أبريل 2009

الحـيـاة تتـسـع للـجمـيــع




الحـيـاة تتـسـع للـجمـيــعقصة للأطفال، لعبـد الله مـهــدي عبـد الله................................

.في جوف ترعة نيلية تعيش قبيلة من السمك البلطي ، مختلفة اللون بها ثلاث عشائر ... عشيرة للسمك الأسود ، وأخرى للأخضر ، وأخيرة للأحمر ... كان أغلب أسماك العشيرة الحمراء ، تختلق مسببات للصراع مع العشيرتين السوداء والخضراء ... منها أن لونها أحمر مما هيأها للاستمتاع والقيادة ، وعلى الجميع أن يعمل لخدمتها .. وذلك رغم رفض بعض عقلاء تلك العشيرة هذه الذرائع .. فالجميع أصلهم بلطي، وأن التميز لا يأتي من اللون بل من العمل والجهد والعطاء .. وللأسف .. كان العنصريون يرفضون أي وسيلة تدفعهم للتسليم بالحق والعدل .. وها هي القبيلة وقد بثًّ فيها الفيضان روح الأمل ، فقامت تمرح وترقص وتغني ، حتى توقفت هذه الجلبة ، وانتاب القبيلة حيرة وقلقٌ .. فالعيون تتساءل .. - من هذه السمكة الحمراء المصابة بالوهن؟! - من هذه التي تتساقط قشورها كأوراق الخريف؟! - من هذه ذات الزعانف المتهالكة؟ - إنها أسيرة للتيارات المائية ، تحركها كيفما اتجهت. - من تلك السمكة الحمراء الداخلة ميدان الحفل؟! ما زالت التيارات المائية تلعب بها كورقة على صفحة الماء .. والكل يقلب صفحات ذاكرته ويدقق بعينيه لمعرفتها .. ازداد رواد الحفل حيرة ودهشة .. هل هي من القبيلة؟! لا. ـ هل هي من أقاربنا؟ـ كلا. ـ هل هي مغتربة؟ ـ إنها تحاول الدخول إلى ميدان الحفل دون قلق وريب كأنها صاحبة المكان. خرج صوت ( دنيا ) معلناً وقف هذه التساؤلات.. ـ إنها ( أمل ) .. السمكة الحمراء (أمل) .. لقد عادت (أمل) .. لقد عادت.. دخل الجميع مرة ثانية في قلق وحيرة. ـ هذه السمكة الحمراء (أمل) ! ـ مستحيل .. غير معقول ! ـ (أمل) تعود بعد هذه الغيبة الطويلة! ـ خرجت وصاحباتها لجلب الطعام للقبيلة لخزنه، ليستفيدوا منه أيام الجفاف ، فحاصرهم.. ، وانقطع طريق عودتهم إلينا ، و (أمل) تعود بمفردها! ـ أين صاحباتها من السمك الأسود والأخضر؟! ـ تم اصطيادها ، صرعها الجفاف ، لعل ثعباناً التهمها. ـ كيف أفلتت (أمل) من الاصطياد والجفاف والثعابين؟! ـ مستحيل أن تكون (أمل)! ـ أين قشورها اللامعة؟! ـ أين ذيلها القوي؟! ـ أين زعانفها المتينة؟! ـ أين .. ؟! أين .. ؟! دار بخاطر الجميع موقف السمكة الحمراء (أمل) حينما تعلم بأن أخواتها من السمك الأحمر اصطدمت مع السمك الأسود والأخضر ؛ لأخذ الطعام منها دون وجه حق .فتثور عليهم قائلة: ـ الحياة تتسع للجميع .. الحياة تتسع للجميع .. عليكم بالكد والعمل مثلهما ، إن أصلنا بلطي، ما يميز سمكة عن أخرى ليس لونها بل قدرتها على العطاء لقبيلتها.. ولما تكررت تلك التصادمات .. فكرت أمل وفكرت في اقتلاعها ، وعندما اكتملت أفكارها ، دعت نخبة من العشائر الثلاث لعرضها عليهم .. ـ علينا أن نكون مجلساً يمثل الجميع.. لتيسير شئون القبيلة. ـ كيف؟ ـ من يرى في نفسه القدرة على خدمة قبيلته ونشر المحبة والتسامح بين عشائرها ، يعلن عن نفسه وعلى كل من في القبيلة المشاركة في اختيار عشرين منهم ، وعلى العشرين أن يختاروا من بينهم واحداً يرأس القبيلة وينظم شئونها بمشاركة أعضاء المجلس .. اقتنعت النخبة بأفكار (أمل) ، وعليهم أن يقنعوا الجميع.. سُرَّ الجميع لهذه الأفكار إلا قليلاً ، بدأوا ينشرون الشائعات حول (أمل) .. ـ إنها تريد أن تكون زعيمة. ـ إنها تحب ذكراً من السمك الأخضر. ـ إنها ... إنها ... لم تفلح الشائعات في القضاء على أفكار أمل ، فالجميع يعرف عنها حبها للخير والتسامح والعطاء ، تجاربها الكثيرة أوصلتها إلى أن من يغرس فسائل الخير يجني الثمار الجميلة.. وما إن أشرفت القبيلة على تنفيذ تلك الأفكار ، حتى هدد القبيلة خطر الجفاف ، فاتفقوا على تحصين قبيلتهم من أخطاره ، بأن يذهب مجموعة منهم لإحضار الطعام لتخزينه والاستفادة منه طوال فترة الجفاف ، وكان على رأس هذه المجموعة (أمل) ، ولما جمعوا الطعام وأرادوا العودة لقبيلتهم حاصرهم الجفاف وضيق عليهم. وها هو .. الفيضان قد جاء بخيره وعادت أمل ولم يعودوا .. الكل يريد أن يهنئ (أمل) على نجاتها وعودتها سالمة ، لكن صاحبتها (دنيا) طالبت الجميع بتركها تستريح.. مكثت السمكة الحمراء (أمل) في بنيتها ، لا تهتم بما يدور حولها ، حتى أتى اليوم الذي فزعت فيه من صوت صديقتها (دنيا) : النجدة يا (أمل) .. النجدة يا (أمل) .. الخراب يطارد الجميع .. الخراب يطارد الجميع ..خرجت (أمل) من بنيتها ثائرةً في الكل ، فالسمك الأحمر يصارع السمك الأسود والأخضر ويسقط الصرعى من الطرفين .. وعندما انتبهوا لثورة (أمل) كفوا عن صراعهم واستمعوا إليها ..إنكم تسعون للخراب .. إنكم تسعون للخراب .. الحياة تتسع للجميع .. الحياة تتسع للجميع .وبدأت (أمل) تحكي لهم ما حدث لها ولصاحباتها اللاتي لم يعدن معها حينما حاصرهم الجفاف ..ـ جفت الترعة وانقطعنا عنكم ، سعى الجميع لعمل بنية عميقة وتخزين طعام بها ، واختاروني أمكث بها وحدي ، ويموتون هم . . و«تصمت برهة» ، «و تتمالك نفسها وتكمل» حتى إذا جاء الفيضان ، وعدت إليكم نكمل ما كنا بدأناه من اختيار مجلس يمثل القبيلة لنشر المحبة والتسامح والإخاء بين عشائرها ، فالحياة تتسع للجميع .. الحياة تتسع للجميع..بدأت عشائر القبيلة في اختيار من يمثلهم في المجلس وما إن تم اختيار أعضاء المجلس، حتى اجتمع واختار بالإجماع (أمل) زعيمة للقبيلة ومن بعدها انتشر في ربوع القبيلة المحبة والتسامح والإخاء

الجمعة، 29 فبراير 2008

قراءة فى مجموعة أترانى أحيا حقا للناقد / صبري قنديل

- (أتراني أحيا حقاً ؟!) وبراءة الرؤية





من السيرة الذاتية الموجزة يتبين لنا أن اهتمامات الأديب " محمود الديداموني" تعدد في مجال الكتابة بين المسرح حيث نفذت لـه مسارح الثقافة الجماهيرية نصوصاً, وبين الشاعر حيث أصدر ديواناً بعنوان( الشمس تشهد والقمر) ثم القصة القصيرة والتي يبدو أنها تكاد تكون المرتكز الرئيسي لعالمه حيث صدرت له نماذج منها في كتابين مشتركين قبل أن تصدر له المجموعة المستقلة (أتراني أحيا حقاً؟!) ويبدو أن تعدد الاهتمامات عند " محمود الديداموني" يعكس ضوءاً صادقاً لما يسعى إليه خاصة في مجال القصة القصيرة والتي أدانت من خلال هذه المجموعة أنه يحمل هماً إنسانياً يقترب من أنفاس البشر لذلك كان حريصاً أن يرصد الكثير من القواسم المشتركة فيما بين هؤلاء البشر.
في القرية التي هو واحد من أبنائها وبين المدينة التي يستكمل معها تأملاته لصورة الوطن من خلال الحياة اليومية للإنسان المصري ومعاناته التي لا تتوقف في دروبها.
صحيح أن عالم القرية هو الغالب على فضاء المجموعة ربما لأن الطبيعة هي المنطلق الذي تقوم عليه بنية القصة إلى جانب حسه الشعري الذي يعكس عبر الخيال اللغوي أوصافاً تشف عن شاعرية مضمرة أطلت ابتداء من الإهداء قبل أن يتوغل فيه تجسيد درامية الحدث أو ترسم صورة حالمة تتعاطف مع توجهات الإنسان سواء تحققت أو أحبطت هذا التعاطف ظل في منطقة البراءة التي ترى دون أن تؤول في كثير من الأحيان أو تحيل إلى دلالات مثيرة مثلما جاء ذلك واضحاً في بعض القصص فمعظمها مثل( في مدارات الزمن) و( أتراني أحيا حقاً؟!) ,( شرك السطور) على سبيل المثال والتي أدانت أن الكاتب يعيها جيداً لكن ربما الأزمان المتفرقة التي كتبت فيها القصص هي التي أدانت ذلك بعدما اتجهت قدراته إلى النضوج الفني ولا تعني البراءة التي أشير إليها أن القصص محصورة في سطحية التناول لكن غالبيتها اكتفت بتقديم صورة ظاهرية تحمل الإشارات الصحفية كسؤال المجموعة ككل.
يعتمد الكاتب في أول قصص المجموعة(إحياء) على السرد الوصفي والحوار معاً والإيحاء هنا ممثلاً في ذلك الآخر الذي أحب امرأة متزوجة تلك التي أطلت بعينيها السوداوين وقد تجمد بصره عليها قبل أن يمضي في صراع مع نفسه حيث يطارده الأرق وهو يعبر عن أشواقه تجاهها لصاحبه.فالسرد الواصف للحركة والحوار يمضيان في نسق البراءة القصصية التي لا تخرج عن ظاهرية الحدث تاركة لها أن تعكس التأثير الجمالي المطلوب حسب الحالة دون أن يصحب ذلك تأويلاً دلالياً يتوغل إلى عمق النفس أو ما يحتويه فضاء النص.
فإذا كانت القصة قد دخلت في تفسيرات مباشرة في منطقة الحوار مثل – من العيب إكراه أحد على شئ لا يريده, الحب هو سعادة من تحب – حيث لن تنعكس تأثيرات هذه المفاهيم المباشرة داخل السرد فإن السياق جنح أيضاً بالوصف إلى صور تكاد تكون معدة بفعل الكاتب بشكل واضح.. لاحظ معي (مر وقت غير كثير لا يعرف كيف حدث ذلك , ترك المكان تحرك يطوف الشوارع حتى بزغ فجر الغد) وكان يمكن أن يكتفي بقوله حتى - بزغ الفجر- , ثم أين القدر المرتب في قوله:" رأته وكأن القدر رتب لـه ذلك, جلست, جلس يحدق فيها) وهو كما نلحظ أن حركة طواف المحب في الشارع حتى الفجر هي التي رتبت بينما القدر يرتب اللحظة المتوهجة لم تكن في الحسبان.
(في قصص قصيرة جداً) وهي خمس أقاصيص الأولى (ارتطام) وقد كتبت بنفس أسلوب قصته (إيحاء) تقريباً غير أنها ارتكزت على لحظة خيالية لم تقدر المسافة مع الواقع حيث تخيل البطل تلك الوقورة التي بهره جمالها أنها أومأت لـه كأنه كان ينتظر تلك الإيماءة لكي يسرع نحوها ناسياً نفسه فيرتطم بالحائط الزجاجي.
أما الثانية (براءة) رغم تصوره البريء لتلك التي تحمل الطفل على أنها إنسانة إلى أن الإثارة المدهشة تجعلها تكتشف أنها حمارة في النهاية وتلك الأقصوصة فيها من عبق العم" يوسف إدريس" , وتحمل أقصوصة وظيفة لقطة مثيرة ودالة حيث تكشف في إيحاءتها عن أن المساحة كبيرة في بين الواقع وبين ما يقال وترميز الحالة على هذا النحو عمق البعد الدلالي مما جعلها متماسكة فالشاي الساخن بدلاً من أن يجعل صفحات الجريدة تقطر حبراً أسوداً جعلها تقطر دماً وهو يعني أن المواجهة مطلوبة دائماً لأنها تعري الأكاذيب التي تحاصر البشر وتلعب بأحلامهم.
ويقف الإنسان في أقصوصة(البالون) أقام نفسه في حالة مواجهة ذاتية بين المعنى والمبنى حيث يتضاءل الأول ويتضخم الثاني الآخر الذي يعمق حالة التعارض النفسي, فالإحساس بتضاؤل الداخل إنما تعاظم مع تضخم الخارج على فراغ لا يمتلئ إلا بالهواء حتى تحول إلى بالون فلما نظر إلى ذاته صامتاً تهاوى فأخذ يلملم أشلاءه كأنه يعيد ترتيب حقيقته من الداخل وهي الأهم.
تتشابه أقصوصة(سقوط) مع أقصوصة(ارتطام) حيث وقار بطلتها يتماثل مع بطلة هذه الأقصوصة غير أني أتساءل عن تلك الوقورة فقد صعدت إلى المسرح ليهنئ العروسين وأرسلن نظرة أين تكمن الدلالة الفنية بعدما كبرت في عينيه وتسللت إلى قلبه في صعودها للمسرح ثانية ثم تهاويها شيئاً فشيئاً.
في ست مقاطع جاءت أيضاً قصة ( في مدارات الزمن) حيث أقام الكاتب"محمود الديداموني" هذه المدارات وهي أيضاً أقاصيص متعددة الأبعاد ولكنها تتحلق حول رؤية واحدة, ففي المقطع الأول يعود إلى ذكريات الطفولة والفضاء الرحب حيث تحيط الحقول بالدار وتحزم القرية ثلاث ترع كأنها شبه جزيرة. وقد كانت براءة الأطفال تضرب عرض الحائط بكل تحذيرات الأمهات وتخويفهم بالجنية التي تجذب الأولاد الحلوين في مقابل هذا الترويع يأتي الولد الذي يكبرهم يحفزهم على العوم ويشجعهم على المنافسة فتذوب المخاوف وهو ما يعني أن التحذير من الخطأ حينما يصل إلى الترويع فإنه يزرع الخوف والتردد, أما التشجيع على تجاوز الخطأ واستنهاض الإرادة فإنه يدعم الشخصية ويمحو الخوف.
يواجه المقطع الثاني الجمود والرتابة والمألوف الجاهز عن طريق صراع الفطرة التي تعايشت في إطار كل هذا مع التغيير فالأولاد ينتظرون الليل حيث يحكم قبضته السوداء كما يقول الكاتب لكي يمارسوا ألعاب لا تصلح إلا فيه غير أن المصباح الوحيد الذي يتوسط طريق القرية وقلما يضئ إذا ما وقع أحدهم في مأزق بالقرب منه ورأى بعضهم البعض أو يمسك أحدهم بالآخر تكون هناك يد خفية قد أرسلت للمصباح حجراً أطاح به ليعود الظلام ثانية في تكرارية مستمرة.
يستمع الأولاد في المقطع الثالث وبعد أن تعبت أقدامهم ولم يعودوا قادرين على اللعب لقصة الشاطر حسن من الجد وهم يلتفون حوله ومنهم من يغلبه النوم مع أول أحداث القصة فتأتي الأمهات لتأخذهم غير أنه وسماح يستمعان في شغف دائم لكن الجد ترفقاً بهما يتصنع النوم حتى يذهبا لكن أمه وأم سماح لا يأتيان لأنهما تعرفان أنهما لا يذهبان للنوم إلا سيراً على الأقدام وهو ما يعني أن الاستعداد المبكر لتكوين الشخصية مهم وقد بدأت تتكون ملامحه.
ويتوقف المقطع الرابع عند طريقة معالجة شقاء التنشئة بالقهر والقمع بزعم تنشئة الابن على الرجولة في مرحلة الطفولة فالأب يتفق مع صديقه خفير القرية ليقول لابنه الصبي أنه لم يعد الوقت وقت لعب ولابد أن ينضم للعمل مع الأنفار تجنباً لشقاوته حتى أنه لم يعد يضع لحم البط في فمه ولا يستسيغه في بيتهم لأن الخفير صديق والده يأكله عندهم كثيراً ثم يستكمل المقطع الخامس رؤية الرابع فحين أقبل الصباح أخذ الخفير الصبي ودسه بين الأنفار وقد ألهب ظهره بخيرزانه رفيعة وهنا يصوغ الكاتب صورة دالة ومعدة للموقف بما تنطوي عليه من حجم القسوة والقهر يفضي هنا إلى قمع نفس الصبي الذي يقول:"لم أتوقف عن البكاء طيلة اليوم ولم يرتفع ظهري ولم يستوِ عودي" ورغم ذلك لم يفقد الرغبة في سماع قصة الشاطر حسن ولم يتخلف عنها بل إن الأولاد يفرحون بجلسته معهم باعتباره يكبرهم كما يتصورون وقد اشترك هو وسماح مع الجد في البحث عن نهاية.
يقابل ذلك في المقطع السادس أن الفتى يدرك التناقض في شخصية أبيه, فهو تارة يشفق عليه من كثرة القراءة ويرى في عينيه حنواً كبيراً وتارة أخرى تذوب من عينيه هذه الإيحاءات ثم يجيء عام الحزن ليكون إشارة انتقالية لقوة الإرادة وعام الحزن يعني الفقر وسدة النفس عن العمل بعد تدهور الزراعة فتتحول حكاية الجد عن الشاطر حسن في هذه الظروف إلى حكايات تستنهض الإرادة وتقوي العزيمة مستنداً إلى أن تاريخاً من المجد في عمر الشعب لن يهتز من الصعوبات ولن يستسلم للأزمات بل أنه يحول هزيمته إلى نصر .
يستقدمهم الجد لكي يقاوموا دودة القطن حتى لا تأكل المحصول وتأكلهم معه يقول الجد:"جلبت لكم بذرته فزرعته وجنيته تيلة بيضاء وغزلته ونسجته سترت عورته وتجملت به انهضوا قبل أن تنكشف عوراتكم"
هكذا تطوف المقاطع الست في عالم يفيض بالأصالة والإرادة والإصرار على جعل الحياة أكثر قبولاً من ذي قبل فيما بين كل الأجيال وفي هذه القصة تتضح قدرة الكاتب على التوغل في عمق موضوعه وتوظيف المناخ الذي يحتوي هذه المدارات قبل أن تأتي على هذه الصياغة الموحية , وبعد أن أخذت الأحلام الوردية البطل في قصته( ليتك..) وهو نائم إلى أحضان الرياض وقد تهاوت إليه أطياف لم يعرفها سيشعر أنه في الجنة فتتسع ابتسامته حتى اكتسب صوتاً سمع صداه وهو مستغرق لكنه حدث نفسه لأن تمرح في الجنة وتتجاهل هذا الصوت لكنه وصل لحد القهقهة وهنا استحضار لحالة نفسية لم يمهد لها مدخل القصة حيث دخل البطل الفوضوي إلى غرفة نومه مثقلاً بالتعب وقد خلع ملابسه وحذائه الذي رمى كل فردة منه في ناحية ثم استلق فوق سريره, لكنه حينما عاود النوم ليستكمل التحليق تداعت لـه الأشباه تتلكأ أمام عينيه وهي تصارعه وقد حاول مرة بعد مرة مقاومتها لكن الصرخة تختنق حتى تفجرت الدموع على الرغم من أن الموقفين يبدوان على حافة التناقض النفسي في مواجهة الذات إلا أن المدخل لم يقم علاقة فنية معهما.
أما قصة(أتراني أحيا حقاً؟!) فيمثل الحوار فيها عصب الأسلوب لذلك جاءت أطول قصة في المجموعة حيث تدور فكرتها حول شادى الرسام المغيب بيده عن الواقع وموقعه المعهود كما يقول الكاتب ملهى الشرق, فينتقل به من حالة الوصف الواقعي إلى تخيل الحدث فشادى خارج من الملهى في حالة سُكر وغير قادر على السير فصاح سارة فوقفت له فإذا بجواره سيدة يبدو أنها تلك التي كانت في الملهى وضربه جمالها لكن السُكر أفقده القدرة على التمييز وقد أخذته معها إلى بيتها الذي يضم الأثاث الفاخر لكي يكون الخيال أقرب للتصديق.
اكتشفت هذه السيدة أن بإمكانها أن توفر لأختها الصماء والتي لا تستطيع الحركة لحظات من السعادة من خلاله, يجئ السائق بأختها وكأنه كما يقول الكاتب يحمل كيساً من غزل البنات – هي الأخرى آية من آيات الجمال وقد أصرت السيدة التي جاءت به إعطاؤه مبلغ كبيراً من المال طالما أنه سيدخل السعادة على أختها المريضة وبينما هو يرسمها واعداً إياها بأن صورتها ستكون خالدة أبدى الدهر بأنها ستكون أروع وأجمل من الموناليزا, يلتقط أنفاسه بصعوبة بعدما ملأت الشرطة الشقة وهو يغمغم بكلمات التعجب والاستفسار ثم أدرك الأمر في استجواب الشرطة للمصالحة وليس لفتح مجال للعداوة.
هو متهم بالقتل ولا يدري بعدما تحول الضابط المستجوب إلى هاجس – راح يحدث شادي نفسه(فقط أشرب.. كل ما أفعله أنني أشرب وأرسم ,فل أجالس النساء في مخادعهن ولا أقتل, أنا لا أستطيع ذبح دجاجة....... إلخ ) فتكون صورة تلك السيدة التي رسمها دليل براءته فقد ارتكب جريمة قتل وأرادت أن تلصقها بهذا الفنان المخمور ولقد اعترفت بعد ذلك أنها قتلت تلك المرأة اللعوب التي انتهت بعلاقتها بابنها بإقامته بالمستشفى للعلاج من مرض الإيدز.
يطوح شادي بزجاجة الخمر وهو أشد حرصاً على أدوات الرسم يقابله منظر ذلك المخمور الذي استلفت نظره وهو يتمايل ويصدر أصواتاً نشازاً متسائلاً( أتراني أحيا حقاً؟!) وهو ما يعني أن فكرة القصة تقوم على التنبيه وخطورة غياب العقل وآثار ذلك على الفرد والمجتمع بشكل عام.
وتشترك قصة بين (أنياب الضباب) مع قصته(أتراني أحيا حقاً؟!) في توظيف قيمة الكابوسية غير أنها تختلف في أن بطل الأولى فنان مخمور انتهى به الأمر إلى الاتهام في جريمة قتل والثانية فالبراءة فيها هي التي أفضت إلى الأزمة باعتبار أنها موقف قدري وظفه الكاتب كمعادل نفسي.
قدرية الفكرة تبدأ من ضباب ما بعد الفجر حيث تذهب النسوة للعمل فإذا براكب دراجة يحوم حول تلك المرأة التي تأخرت عن زميلاتها لحلب الجاموسة ثم يحاول أن يرغمها على الاستجابة لـه بالكلام الخارج ثم بالضرب الذي وصل إلى محاولة فقأ عينيها ثم نزع قرطها لكنه توقف بعد أن سالت الدماء على كتفيها كأن الدماء هي الانفراجة بعد كل هذه المقاومة وقد قذفته بإناء اللبن.
هذه الكابوسية أفضت إلى حالة انسحاق قهرية( تقوقعت على نفسها منهكة القوى فوق أرض بللتها قطرات الندى والضباب لتصير كقطعة من الطين) ورغم ذلك فالحياة مستمرة وهي تنظر إلى نفسها ببعض ما تبقى من عينيها بالرضا.
أما قصة(حتى الموت) فتتوقف أمام الفكرة التقليدية الفقر في مجابهة الغنى وهنا صراع على نخلة بين دار ذلك الرجل الفقير تربى تحتها واستظل بظلها وحلم في فضائها ودار الغني الوافد الذي اشترى قطعة الأرض المجاورة وبنى عليها منزلاً كبيراً والكاتب " محمود الديداموني" يحيلنا إلى تيمة الصراع بين أرض فلسطين المحتلة والصهيونية العالمية يؤكد الفقير أحقيته في النخلة من خلال ضعفه بينما يؤكد الغني أحقيته فيها من خلال استعلائه وصلفه وهو ما تفعله إسرائيل لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير حيث أن طيبة الفقراء أوقعته في المهالك فحينما أشهر ذلك الغني السلاح في وجهه بعد أن عاتبه على ضرب الطفل كان يلعب حول النخلة لكنه بدلاً أن يقبل العتاب صفع الطفل على وجهه قدم الفقير شكواه إلى الشرطة وكأنها هنا – الأمم المتحدة – لكنه فوجئ – الفقير – بعناق طويل بين الغني والضابط ثم دار بينهما حوار كأنه ليس طرفاً فيه قبل أنم يقول الضابط للفقير لا تكن أحمقاً ولا تتعدى على حقه مرة أخرى ولما سأله الفقير:هل تغيرت الحقائق؟! صاح الضابط: أية حقائق يا رجل اذهب وإلا أودعتك السجن, يظل هذا الفقير مستسلماً حتى بعد مقتل ابنه برصاص ذلك الغني فتذكر فقط موقف الشرطة فيغرق في دموعه واضعاً جثة ابنه تحت جذع النخلة متوعداً وهي إشارة لـ"محمد الدرة" لكن سرعان ما جاءت صرخة صوته إيذاناً بقدوم مولود جديد فكانت الابتسامة الحزينة.
وتعالج قصة(شرك السطور) حالة الملل من خلال المنظور العام لفكر الكاتب فذلك الشاب وصل به الأمر لحالة الاختناق وكأنه محاصر بالحياة من حوله ويحب تلك التي جرفه العشق إليها فخرج إلى المقهى فلم يختلف الأمر كثيراً غير أن ما استلفت نظره هو ذلك الشاب المنهمك في قراءة شئ في جريدته وهو يشرب الشاي والبسمة على شفتيه يتبين بعد ذلك أن الصورة لذلك الشاب مع الصفحة التي ننشر إبداعات أدبية وذلك واحد منهم والذي ازداد ثقته أكثر من اللازم وهو ينظر لحركة الناس مشهد الشاب هنا يحيله إلى الوراء حيث رأى حبيبته في أحد أركان المكتبة حيث تبين له أنها عاشقة للكتاب من سؤاله لأمين المكتبة – لا يزال الشاب منغلقاً على نفسه..لا يرى إلا صورته وبعض الكلمات التي تحتها – وبينما هو قد اندمج مع الشباب في حديث الأدب والثقافة يجئ صبي المقهى هل قرأت الجريدة يا بيه؟ حيث كان يريد أن يلف فيها شيئاً مما أثار ضحك الشباب بعد ذلك ويتذكر يوم أن أخبرها بشوقه لطلب يدها وبينما هو في البيت دخل صاحبه فيكتشف أنه أمين المكتبة.
وتبدو في قصة( وما زالت) محاولة الخروج من أسر القهر واضحة لكنها بعد أن فاض كيل المقهور فانفجر.. لقد استسلم ذلك المقهور للنوم فرشته الأرض وغطاؤه السماء ولم ينهض مستجيباً للنداء إلا بعد أن تحول إلى سب وشتم فضاق بذلك وقد نفرت عروقه, يهب واقفاً ممسكاً بحذائه وأخذ يضرب من أيقظه بعنف حتى أفقده الوعي ولما ظن أنه قد مات أخذ يجري في براح الصحراء الممتد على ضوء العربات من ناحية الطريق حتى لم يعد يقوى على الحركة ويبدو من تفكيره في أسرته التي يعولها وتحمل من أجلها وخطواته المتثاقلة وتقطع الصحراء التي علتها الشمس واشتدت مرارتها أنه يعمل لدى صاحب عمل في إحدى دول الخليج, يراجع ذلك الذي أيقظه فيقتنع لأنه أساء معاملته كما لو أنه يعمل عبداً عنده يعود بذاكرته إلى يوم سفره زوجته وأولاده وظهره مركون على حائط غرفة مهجورة فقد صار الرحيل يلح عليه بقوة بعدما شعر أن صاحب العمل يطارده اتجه إلى مكتب سفريات فحجز من بعض المال الذي يلفه حول وسطه وبينما هو بالحافلة التي توقفت بعد فترة يجد أن من يضع يده على كتفه هو صاحب العمل فلم يجد مفراً من الهرولة ناحية الباب في اتجاه الطريق الوعر لكنهم أحاطوه من كل اتجاه فإذا كانت محاولة الخلاص لم تكتمل على هذا النحو فإن مجرد التمسك بها يعني استمرار الرغبة في الانعتاق والتحرر والتمسك بالحياة.
تتناول قصة( مفترق الطرق) عبر مشهدين لحرب أكتوبر من خلال تحفيز الشباب على الالتحاق بالجيش للدفاع عن وطنهم, المشهد الأول بالغ الواقعية إلى حد الصرامة فالقرية تكتسي بالسواد وهو ما يحيل إلى إن ذلك انعكاس لنكسة 67 لقد أصاب الحياة في هذا المناخ البؤس وبلغت بالناس إلى حالة الترهل والاختناق فكل شئ متداخل الحيوان مع الإنسان حتى صار كل شئ اعتيادياً والفقر يزداد لدرجة أن الناس لم يعودوا يخشون اللصوص.
المشهد الثاني: في مقهى هوانم حيث يخرجون من هذا المناخ ولو للحظات مفتعلة حيث ينشغلون في لعب الورق وسماع الراديو وحنوها عليهم كما أنهم عرفوا معها أشكال جديداً غير الأسود يطلب منصور الشاي فترد عليه هوانم خلص والسكر شح, فيعقب: حتى هنا والله عيشة تجنن, بكرة تفرج فتقول هوانم: والفرج لما تحبوا وتقصد التحرك للدفاع عن بلادهم حتى تخرج منا مما هي فيه, وبينما تنصت لبيان الراديو الذي قطع الأغنية الوطنية فوجئوا بصرختها التي أنبأت عن استشهاد أخيها وعدد من زملائه تجمدت ألسنتهم وتذكروا صحبته لهم في الأيام الصعبة ثم سألتهم: إنتم عارفين الدنيا زي إيه؟ فيرد منصور زي غلاية الشاي كل شئ يغلي جواها ثم سألتهم ثانية هل تريدون الشاي؟ فتمنوا لكنها اشترطت عليهم دفع الثمن والمقصود أن يلحقوا بتجنيد أنفسهم وقد تحولت هوانم إلى رمز.
كان منصور قد أخذ بيدها وأجلسها في أعقاب سماعها نبأ استشهاد أخيها فظلت تداوم السؤال عليه خاصة وأنه بعث لها برسالة تقول " أحاول دفع الثمن" , وكان العبور حيث حومت النسور في كل مكان بينما هرعت الثعالب إلى مخابئها, ولأن قلبها كان معلقا بالسؤال عن منصور وهو هنا رمز للانتصار, كانت رسالته المعلقة في قلبه على صدره .. (الآن .. الآن فقط .. يمكنك إعداد الشاي للجميع).
اعتمدت قصته (حلال العقد) بشكل واضح على التناول التقليدي أيضا في أن يكون لها مقدمة وعقدة محورية مباشرة ونهاية, فالشبكة التي اختفت في لحظة إعلان الفرح هي جوهر العقد وحلال العقد هو الراوي ذلك الذي يقوم بتقديم المشروبات إلي المدعوين في مثل هذه المناسبات, حكت لـه والدة العريس عن كفاحها من أجل تربية ابنها بعد طلاقها من زوجها المتصابي حتى أصبح ابنها يعمل في الخطوط الجوية, بعد أن وصلوا إلى منزل العروس وبينما هو يستعد لأداء عمله وقد شرعوا في المراسم إذا بوالد العروس ينادى بإحضار الشبكة فيحدث الارتباط والفوضى ثم يختفي العريس, تتساءل أم العريس وتتصل بالهاتف بحثا لعلى وعسى ولا يزال والد العروس ينادي, يتدخل حلال العقد ذلك الذي يقدم المشروبات والذي يمثل في هذه القصة المنقذ فكانت الفكرة التي انحنى لها والد العروس احتراما للتقاليد الطيبة هي ضرورة حضور والد العريس, فتدب الفوضى أرجاء المكان مرة أخرى بحضور الرجل وزوجته والشابة ورغم ذلك لا تماثل زوجته الأولى هيبة ووقارا فإذا نام العريس يغمى عليها بعد أن نظرت إليه هي والعريس يلومانه على فكرته وكان لا بد من نقل الأم إلى المستشفى وبينما حلال العقد يلملم حاجياته يراهم يبحثون وسطها فإذا بالدنيا تموج أمام عيونهم ويكاد لا يرى إلا أطيافا تتجه نحوه وقد سقط مغشيا عليه بفكرته الشريرة حيث وجد نفسه بين حاجياته المبعثرة في المكان الخالي من البشر.
أما قصة (صفحة) فهي حالة تأمل طرفها الذات نفسها في مطلق حالم يبتعد عن متطلبات الواقع التي يمكن من خلالها أن يتحقق الحلم فيطل القصة ذلك الجالس على شاطئ البحيرة يفترش الرمال في منطقة الشلالات بوادي الريان, يداعب المياه بيد ويبحث بالأخرى في الرمال عن شيء, ينظر حوله فإذا بمساحات ممتدة لأرض قاحلة جرداء ونظر إلى الأفق حول البحيرة فإذا بالأشجار خضراء لكنها غير متناسقة يتحول تأمله إلى تفكير عميق بعد أن انتهى من رسم اللؤلؤة المدفونة في قلب الأصداف وقد تخيل أن ماء النيل يتدفق فوق هذه الأرض لينقذها فتدب فيها الحياة وقد تحولت إلى جنان سندسية لكنه سرعان ما رأى في صفحة الماء الأرض جرداء ترثي نفسها وقد غلبته دموعه قبل أن تصل إلى مسامعه صرخات تناديه وقد أبصر وسط الصرخات المستجيرة لسانا يشبهه كلما وطئت قدماه أرضا اخضرت وصار العمران إليها يزحف من رقعة إلى رقعة, وكلما دقق النظر في صفحة الماء تتضح معالم ذلك الإنسان القادم شيئا فشيئا وهو يؤكد لنفسه أنه قريب الشبه منه غير أن الضفدعة التي سقطت فعكرت الماء أضاعت معها الكلمات لكن لم يعد للجلوس والانتظار مبررا حتى يعود الصفاء لصفحة الماء لأن المطلوب فعله هو النهوض للعمل على إعادة الوجه الأخضر لهذه الأرض والقصة على هذا النحو ترى أن إصلاح الأرض وإمدادها بالماء يمثل المفتاح السحري.
تتوقف قصة (موضع قدم) عبر مشهدين أمام طوفان الزيادة السكانية حيث ترصد زحفها على كل مقومات الحياة في المدينة – القاهرة – والتي يرها الكاتب "محمود الديداموني" بعين المقيم في القرية الذي يسافر إليها لإنهاء المصالح. المشهد الأول يبدو فيه ذلك القروي الذي لا يعرف أرقام العربات المتوجة إلى أم المصريين وتتكرر محاولاته لركوب سيارة تحول إلى أمر مستحيل على الرغم من كثرة هذه العربات فالركاب يتشبثون بأبوابها لذلك رأى أن القاهرة مدينة مسكينة لأنها تعج بكل هذا الصخب والحياة لا تهدأ فيها ليل نهار بينما هو يعيش في قريته هانئا رغم أن وسيلة المواصلات عربة واحدة وتغيب أياما دون أن تكون هناك مشكلة, المهم أنها تنتظم يوم السوق.
يزحف الطوفان إلى الشارع الذي تموج به العربات حتى تحولت الحياة على كل المرافق إلى طوابير مما يزيدها صعوبة ويعوضها للأعطال والارتباكات لأنها تئن بالوفاء باحتياجات البشر فتليفون الشارع – على سبيل المثال – يرفض بقاء العملة والاستجابة للمكالمات كأن الحرارة تسربت من التليفون إليهم فازداد الضغط والزحام فكان لا بد من حل بالتوجه لتليفون المتجر حيث المكالمة بجنيهين استغلالا للأزمة, ينهى مكالمته ويرمي للرجل جنيها قبل أن يذوب وسط الزحام.
ثم جاء المشهد الثاني داخل الأتوبيس الذي عرف أنه يحمل لوحة المكان المتجه إليه وقد نجح بافتعال حالة من الجنون أن يركبه حيث يتقدم أمام الأتوبيس المزدحم سيل من العربات الصغيرة قبل أن يجري أما الأتوبيس فيصرخ السائق لإبعاد هذا المجنون لكن الفكرة كانت أن يقف أمام الأتوبيس ليجبره على الوقوف وقد كان ونجحت فأكملها بالتمتمة بكلمات لا يعرفها الركاب ولا هو يعرفها أيضا فأثار الخوف في نفوس الركاب والكمساري للذي هرب بين الركاب حين مد لـه يده بخمسة قروش مع افتعال حالة هستيرية فجلس على كرسيه مهنئا نفسه والناس يتهامسون خوفا رغم شدة الزحام الذي التقط منه ملمحين الأول لهذا الرجل العجوز ومعه طفلين مريضين ويتحدث عن معاناته مع التأمين الصحي والملمح الثاني لتلك المرأة التي أشاح بوجهه عنها بعد أن غازلته ثم رآها تتصبب عرقا بعد ذلك لأنه أدرك أنها تصيدت عبيطا آخر فأفسدت عليها ما هي فيه.
كان عليه أن يجلس الشيخ على الكرسي قبل أن يلقي بنفسه من العربة وهي سائرة وهو لا يرى غير المرأة الشابة ولا يسمع إلا صوت الشيخ الكبير قبل أن يذوب في الزحام وهذا المشهد في تصوري من أن أهم المشاهد في هذه المجموعة لأنه اقترب من الأزمة بفنية عالية تجاوزت فيه تداعيات الأزمة رؤية ذلك القروي لأنه ذاب فيها.
آخر قصص المجموعة (تحت مظلة الكسوف) تتناول حالة إنسانية تتوحد فيها المشاعر مع عناق الطبيعة على كما رآها الكاتب في ذلك الكسوف حيث حال القمر دون بلوغ أشعة الشمس مداها ليكون اللقاء بين الحبيبين. هي تعلم أنه متزوج غير أنها أحبته لتفرده في الفكر والشخصية, يتبادلان رؤية الكسوف من نظارته السوداء قبل أن يتواصل الحديث حول شجونهما الخاصة فإذا بالوقت يمر إلى منتصف الليل دون أن يشعرا به كما يقول الكاتب .. دهشت .. أخذت تلملم دثار البوح ناهضة بالوقوف, مخلصة أصابعها من بين أصابعه, هامسة له .. وداعاً – لكنها تترك اللقاء بينهما ثانية للطبيعة لأن القمر لن يكون حاجزاً دائما بين الشمس والقمر وربما يكون هناك عناق مع الكسوف القادم وتلك الحالة الإنسانية تقضي إلى أن الدنيا لا تستمر على حالة واحدة.
ننتهي إلى أن الموقف الحاكم لرؤية مجموعة (أتراني أحيا حقاً ..؟!) يقوم على نموذج حائر لرجل يقابله نموذج لامرأة غالبا جميلة ويقع البطل في حبها وأحيانا لا يقع لكنه في كل الأحوال يسعى للإجابة عن أسئلة معلقة من خلالها أو من خلال ما تتجه إليه الأحداث التي يصوغها الكاتب "محمود الديداموني" خاصة إذا كانت المرأة مجرد حالة امتنان جمالية أو كانت زوجة حتى عنوان المجموعة – أتراني أحيا حقاً ...؟! – يترك للمتلقي الإحساس بالإجابة وفقا لما عكسته الرؤية القصصية.

الخميس، 28 فبراير 2008

إيقاع الكلمة .. إيقاع البيئة.. فى شعر محمد سليم الدسوقى


الشاعر محمد سليم الدسوقى
إيقاع الكلمة ... إيقاع البيئة

بقلم / محمود الديدامونى



سوف أبدأ الحديث عن الشاعر محمد سليم الدسوقى من منطلق القدرة لديه على ضبط إيقاع الكلمات بطريقة لافتة للنظر ، وهو ما يجعل القارئ يذهب معه ، وقد لا ينشغل كثيرا بالمحتوى ، الذى هو فى واقع الأمر يحمل دلالات كثيرة ويعبر عن قدرات خاصة للشاعر ، وهو ما قلته للشاعر بالفعل عند إحساسه بالإهمال النقدى الواضح لكتاباته التى قدم فيها جهدا خارقا ورؤية غاية فى الأهمية وتجربة أستطيع أن أقول أنها متفردة ، تختلف كثيرا عن المألوف فى صالوناتنا الشعرية ، ولعل شعوره بالتجاهل النقدى لم يكن حجر عثرة فى طريق مواصلته للكتابة ، فأخذ يعد ديوانا بعد الآخر ، فى كل ديوان تجد متعة مضافة فى تجربة الدسوقى ، ولعل ذلك يدفعنا لتبنى رؤية ( مالارميه ) فى تعريفه للشعر حيث يرى ..
إن الشعر هو التعبير باللغة البشرية وقد أرجعت إلى إيقاعها الأساس، إيقاع المعنى الغامض لمظاهر الوجود، بمعنى أن شرط الشعر ينبع من اكتساب لغته إيقاعاً خاصاً يتشكل من قوة الغموض في الطبقات العميقة للمعنى، تلك التي تحاول تفسير مظاهر الوجود المعقدة تفسيراً شعرياً، إلا أن دخول موسيقى الشعر بوصفها نظاماً قائماً على أسس وقواعد وقوانين منطقية ورياضية زاد من انتظام فعالية البنية الإيقاعية في النص الشعري، وفسّر في الوقت نفسه إشكالية الغموض والقوة فيه، ونقلها من فضائها السحري الغيبي إلى حيث تشتغل أدائياً في بنية القول الشعري، متجاوزة في ذلك الوظيفة التقليدية الصرف للإيقاع.
هذا النظام الجديد بقوانينه ونظمه وقواعده المحددة الواضحة التي تنطوي على إمكانات قابلة للانكشاف بمرور الزمن وتعقيد التجربة الشعرية وتعميقها، يتقدم بوصفه بنية رمزية تنتزع مفاتيحها من شبكة الدلالات التي تمتزج بها، وتنقلها من شكل الحياد في حدود واقعها الرياضي المقنن إلى صورة الانحياز المتضمن استنباط كل عناصر الحياة والإبداع والتجول في هذا الواقع المقنن، وجعله جزءاً متفاعلاً في التجربة.
إن المهمة التقليدية التي ينهض بها الشاعر في محاولة إيجاد محاورة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع، تبدو الآن غير كافية تماماً إذا ما أدركنا سر الارتباط الحيوي بين الشعر والموسيقى والعلاقة العضوية بينهما، بوصف أن الإيقاع المتولد عن هذا التداخل يعد مناخاً حيوياً يوفر لمنظومة الدلالات المتشكلة من جوهر المعنى الشعري قدرة أكبر على التمظهر واتساع الحدود.
إن المعنى لا يتحول من نثري محدد إلى شعري مطلق إلا من خلال اشتغال بنية إيقاعية، تسهم في إحداث هذا التحول الخطير في شكل اللغة وطاقاتها الدلالية، وصولاً إلى التعبير عن الظلال الوجدانية للدلالات.
من هنا يمكن التأكيد على أن أي خلل في الموازنة الحرة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع يصاحبه شرخ في شعرية القصيدة، يؤدي ضرورة إلى خلخلة نظمها وقوانينها.
يمثل الصوت أصغر وحدة إيقاعية في المفردة الداخلية في نسيج القصيدة الشعرية، ويكتسب في دخوله الشعري قيمة إيقاعية مضافة، من خلال الفعاليات التي تنهض بها مجموعة الأصوات المتجانسة والمتناثرة، وهي تؤلف موجهات تقارب قيما ًدلالية معينة، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إقصاء إيقاع المفردة الشعرية عن محتواها الدلالي.
وإذا كانت هذه العلاقة يكتنفها الكثير من الغموض والسرية في صورتها المجردة غير الشعرية، فإنها في الشعر تتجلى بكامل قوتها وعطائها، إذ أن للشعر قوته في كشف سرية العلاقة وإبانة غموض آلية التوصل بين معنى الصوت وصوت المعنى فيها.
وتظهر قوة الشعر الكاملة هذه في الطاقة التي ينطوي عليها الصوت مشرباً بالدلالة، وبقدر ما يكون هناك تجاوب صوتي فإنه يسهم في إحداث موازنة سيميائية دلالية، كما أن الجرس الموسيقي وهو يتشكل باندفاعات صوتية ذات صورة أكثر تعقيداً من الصوت المجرد، فإنه يشتغل على تصوير فضاء المعنى، ويعمل الإيقاع بوصفه المرحلة الصوتية الأكثر نضجاً وصيرورة على دعم هذا الفضاء من خلال إنتاج الفعل الصوتي في النص.
إن طبيعة التكون والنمو المحوري للدلالات في النص تفرض على الأصوات المؤلفة لها طبيعة السعة والعمق، بما يحقق تناسباً حياً تتمخض عنه البنية الإيقاعية الخاصة بالنص.
ويبدأ هذا التكون من نقطة "بؤرية" تلتقي فيها بؤرة المعنى مع بؤرة الصوت، ويتم الاتحاد بينهما في منطقة الشعر الغامضة، وباكتساب هذا الاتحاد قوته الشعرية تندفع بؤرة المعنى نحو التخلق الكامل بالتجربة، ومن ثم تقديم مستويات دلالية جديدة مشبعة بالتعدد والاحتمال يصاحبها تطور وتعقيد وعمق في البنية الإيقاعية، بالقدر الذي يستوعب انفجار الدلالة، ويحقق تماسكاً نصياً يستحيل فصله.
إن الوزن في شكله الأساسي المجرد هو الوعاء أو المحيط الإيقاعي الذي يخلق المناخ الملائم لكل الفعاليات الإيقاعية في النص، وهو في ذلك كالأرض الصالحة للزراعة التي لا تكتسب شكلها إلا من خلال النوع المزروع فيها، وهو يخلق منها صورة على نحو خاص تتغير "مادة وإيقاعاً" بتغير النوع. ( 1) فى مهب الشعر .د . نزار بريك . منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق 2003
فالوزن الشعري هنا تعبيري، بمعنى أن بؤرة الدلالة وظلالها هي التي تعطي للوزن شكله الإيقاعي الخاص.
ولنذهب مع الشاعر فى هذا المقطع من قصيدة ولاّدة بنت المستكفى
(1)
لا تنصرفي حطي رحلك فوق خيولي .... فوق ميولي فوق وعولي وعلى كفيْك .. ضعي في الدفء شذا كفِّى ! فلنا في الشمسلنا في الورْس عُيون تُقىً ....ولنا في الغرس سُلافةُ نعْس !ولنا في العرس..لنا في الأنس..إذا أعطيتِ..صباحةَ أحلام الفردوس ...حطي رحلك صوْب عيوني...فتميمتنا ...في المنعطف !!
وبقدر ما يكون الانسجام الواجب تحققه بين الدلالة والوزن الشعري كبيراً، فإنه يتمخض ضرورة عن التحام جدلي متطور بين فضاء الوزن والفضاء الدلالي في النص الشعري يزيد من أهمية الوزن، وتزداد هذه الأهمية أكثر كلما أصبح الوزن عنصراً دلالياً في النص، على مستوى تعميق البنية الدلالية في ذاتها وتجسيدها، إذ يبدأ من هنا باكتساب جماليته الخاصة التي لا يمكن لها أن تتحقق من دون الوصل بالوزن إلى هذه المرحلة من الالتحام والتفاعل مع بؤرة المعنى وما يتمخض عنها من آفاق دلالية متشعبة، قادرة على التعبير عن التجربة الشعرية بكل عمقها وثرائها وتعقيدها.
وتصبح حركة الوزن طبقاً لهذا المفهوم متماهية مع حركة المعنى ومحددة لها في بعض الأحيان، أي تتدخل في صلب طبيعة التشكيل النسيجي لنظم البناء في النص. " 1 "
ولعل قصيدة ولادة بنت المستكفى للشاعر تقدم شاعرا متمكنا من فنه تماما ، يستحضر التراث فيصبح فاعلا ، ونصبح معه فى تلك الحالة التى أشرت إليها فى صدر الحديث عن الشاعر ننطلق معه ثم نعود لمعرفة ذلك العمق الدلالى واستكشاف ذلك الغموض الجلى فى واقع الأمر ، إلا أن الإيقاع الراقص للكلمات وللمعنى وللدلالة أيضا جعلنا ننبهر بما نقرأ أو نسمع ،فيقول :

(2) " ولادةَ بنتَ المستكفى "لا تنسَىْ في ..الرحْل " العَرْفا "وزهورا تنتظر .. القطفَ وبدُورا فوق ليالينا ...تستبق الراحة والرجْف !وأغاني القصر المسحور .. وزمانَ الغُربة ، والمنفَى !أشياءَك لا تنسى منها .. عصفوراغردَنا صيفا ! ودعاءَ الشيخ المنصور ..وقصيد هوًى .. مائةً , ألفا ..ومُغَنٍّ كان يطرِّزها ..ويمُطُّ الآهةَ.. والحرف !ويرقِّص غانية المَقْهَى...فتُثنِّى الصلصلةُ .. العِطف !ويغار السحْر الإغريقى!ويغار العطر على "دلْفَى"!(3) "ولادة بنت المستكفى"يا بنتَ سماحتنا دورى فرغيفك يعشق تنُّورى !!وخيولى تسبقنا سبقَا ... لرُوَاق السلطان الغُورى !! وأبوك يجُزُّ ..حقائبنا جزَّا ...ويمزق حبى الأسطورى ! فتعالَىْ نأخذ قسمتَنا .. فى بيتى .. غيطى ..شُحْرورى فهنا قصرٌ وهنا أمرٌوهنا خمرٌ وهناك حنِينى ...وحُبورى ! وأبى رجلٌ مستورٌ ..يرفُلُ فى البيت المستور ورضا أمى .. وخلاخلُها ..ودعاء الشيخة .. دستورى !!أرجوكِ ..أخوكِ يباركنا ..ويعانق أطياف النور !وهنا "فرديناندو" يعدُو ..ويصبُّ الليل الديْجورى فدُوَار اللعنة يسكنه ...وسُعار الزهو الأشّورى !(4)"ولادة بنت المستكفى" رُدى يا بنتَ سماحتنا ..فأنا بركانك وسْنانا وأمامك يومٌ للسلْوى ...ورديفٌ يحتضن هوانا !قالت:- فليكن الآنَ !!ونعود لأيكتِنا توّاً ..فأبى يمتارُك ولْهانا وهناك الشيخُ المأذونُ ...وقليلٌ من شمع صبانا ورغيفٌ ينتظر الملح , وزفيفٌ ...فى قلبى كان !...... فمضى ...حمدا لله , وصبرا , شكرا ..عرفانا وعلى ربَوات الأندلس ...ورفيفِ الحمراء جَوَانا !فخيولى مسرجةُ الأمس ..وغُيُولى فى عين الشمس !!وغداً "مرجانة" فى العرس ..تَسْبِى فى شدوٍ "مرجانا" !ويعود الشعر لقافلتى ..ويعود الماء لمجرانا !ويقول الناس لقابلتى : .." ولادةُ بنتُ المستكفى" ...صارت فى النجوى شعراً ..وعلى دقات الموسيقى ..صارت للدنيا .........شانا !!! " 2 " من قصيدة ولادة بنت المستكفى
وكلنا يتذكر قصة ولادة مع ابن زيدون .. أليست القصيدة هذه قدمت لكل ما سبق الحديث عنه آنفا وعبرت عن شاعر صاحب رؤية وتجربة كبيرة يجب الإشادة بها لا الإشارة فقط بعيدا عن دروب التهميش والتجاهل والنسيان .
ولنا أن نستكشف قدرات الشاعر الرومانسية ، عذوبة ورقة فيناجى المحبوبة أيا كانت تلك المحبوبة قائلا :

لأن بشالك بعض الشحوب ... وبعض الندوب .. وبعض الكلال فقد همت فى سقسقات الدلال! وطوعت عينى على فلجة فى السراج... على فلة فى السياج عليـك لأن الذى فى يديك سقام الجمال
ويستمر الشاعر فى مناجاته الهادئة للمحبوبة ، ويطلب منها البوح ، يلح فى طلبه لعدة اعتبارات يسوقها إليها كي تبوح .. ففى قصيدة " بوحى "يشير الشاعر إلى إشارات دالة تعبر عن حالة المحبوبة وموقفها فيبدأ القصيدة قائلا :
أشيحى بوجهك أوْ لا تُشيحى
وهذا يحيلنا لأشياء وأفكار قد تتبادر إلى الذهن على رجع هذا المفتتح ، حيث يبثها أسبابه التى تدفعه لذلك الطلب فيقول :
فقد باح بالعطر همس المُسُوحوصرْصرَت الريحُ نجوى الروابىوعبَّقت الروح شجوى سفوحىأريجُكِ ...لكن أريجى مباحٌوعطرى لعطركَ...فلتستبيحيغداً تقرئين الذي فى كتابىوتسترجعين الذى فى ضريحى !ونقْرِى على غُلَّة فوق بابىوشعرى على لُجَّة فى جروحىتبُوحُ الليالى الضوارى وأنتِعلى نجوةٍ فى الصَّوارى...فبُوحى

حين نتحدث عن الشعر، هذا الخواء ذي الرنين حسب عبارة هيدغر، فإننا إنما نتحدث بالضرورة عن (اللغة الشعرية) سواء أكانت قديمة أم جديدة، أي عن تلك العلاقة التي ألفنا قراءتها أو سماعها في اللغة النثرية الاعتيادية. ولئن كانت لغة النثر نفسها لا تخلو، أحياناً، من بعض الصور البلاغية والمجازية الموجودة هنا وهناك، فإنها لا تصل في كثافتها إلى حد خرق قانون اللغة. فالشعر، كما يقول الناقد الفرنسي (جان كوهن)، ليس نثراً يضاف إليه شيء آخر، بل هو النقيض للنثر، وبالنظر إلى ذلك يبدو سالباً تماماً، غير أن المعروف أن الشعر لا يحطم اللغة العادية إلا ليعيد بناءها، ومن هنا جانبه الإيجابي. ولذلك فإن اللغة لا تكسب صفة الشعرية أو الشاعرية من دون تحقيق قدر مناسب مما صار يسمى (الانزياح) عن قانون اللغة فكل صورة شعرية تعمل على خرق قانون أو قاعدة من قواعد اللغة أو مبدأ من مبادئها الدلالية.
ومعروف أن من أهم مظاهر الانزياح التي أشار إليها (جان كوهن) في كتابه (بنية اللغة الشعرية) يتمثل في أمور مثل التجنيس والقافية اللذين يعملان على عرقلة مظهر الاختلاف الصوتي الذي يضمن أداء الرسالة اللغوية، وخرق الترابط الدلالي والنحوي عن طريق اختلاف الوقفة الدلالية مع الوقفة النظمية، وإسناد صفات غير تلك اعتادت أن تصف الأشياء بها.. الخ " 3 " د: .ضياء خضير شعر الواقع وشعر الكلمات . منشورات اتحاد كتّاب العرب




إيقاع البيئة : -
ولما كان الشعر العربي، شعر مكاني في ارتباطه بالبيئة التي أنتجته، والإنسان الذي أبدعه، ولعل الإنسان لا يمكن أن ينتج شيئا إلا فى مكان وعن مكان ،كان لزاما على الدرس الأدبي أن يلتفت إلى المكان فيه، نظرة لا تحكمها التابعية، فتحصر هم المكان في بعض المظاهر الثانوية، أو تتخطاه لمجرد ذكره بعبارات اهترأت استعمالاتها، و خوت دلالتها،و صدأت جدتها. بل التنقيب في عمق العلاقات التي ينشئها المكان بينه وبين مختلف المعاني، والعادات القولية، والفعلية، والأخلاق، والسلوك. مادامت الغنائية في الشعر العربي إنما تتأسس على اهتمام فردي في المقام الأول، ثم تنفتح لعديد من العلاقات الأخرى.
واستعمل "القرآن الكريم"هذا النعت المكاني:"أصحاب اليمين"و"أصحاب الشمال"للدلالة على أهل الجنة، وأهل النار.كما استعمل غيره من النعوت المكانية لتجسيد صور الإيمان والكفر. ( 4 ) فلسفة المكان في الشعر العربي .د. حبيب مونسى . منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2001
وهذا يدفعنا للتأكيد على البيئة المكانية والنفسية والاجتماعية بمفاهيمها المختلفة عند الشاعر محمد سليم الدسوقى من خلال مجموعة من الصور الشعرية والدلالات التى وردت فى نصوصه ، حيث لا تخلو قصيدة من قصائده إلا وتبزع مفردات وصور ودلالات تعبر عن البيئة بمستوياتها المكانية والاجتماعية والنفسية فى آن .
ولنقترب قليلا من تأثر الشعراء المحدثين بكل ما أحاط بهم من ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية ، فعلى المستوى الاجتماعي هناك من شغل نفسه أو انشغل بقضايا العدل الاجتماعي ، والتكافل الاجتماعي ، وهناك من اعتنق منهجا سياسيا للدفاع عن حرية واستقلال الأمة وآخرون شغلوا بالقضايا الثقافية ، خاصة أن هذا العصر شهد أكبر محاولات تجديد فى شكل القصيدة العربية ( قصيدة التفعيلة ) وما زالت المعارك الثقافية مستمرة ، لم يكن محمد سليم الدسوقى إلا مستفيدا من هذا الحراك الثقافي وتلك المعارك ، فنتج إبداعه مواكبا لحركات التجديد بما يخدم ما قلناه سلفا عن إيقاع الكلمة ولعل القارئ لشعر الدسوقى يدرك قدراته الفنية العالية فى هذا الخصوص ، ولنذهب معا لبعض قصائد ديوانه (الحب فى زمن الرمادة ) " 5 " ديوان صادر عن سلسلة أصوات معاصرة ..
ذلك الزمن الذى يعكس بلا ريب زمنا ما ودالا على حاضر ما أيضا ، مستخدما مفردات غاية فى الدلالة مكنته من رسم اللوحات الفنية التى أرادها لهذا الزمن المَتاجر فيه بكل المعاني الجميلة ، ويصبح زمنا للدّلاّلات والنخاسين وتجار الكلمات ، ولندرك أيضا مدلول تجار الكلمات هنا ..
إن الشاعر يستخدم مفردات من بيئته التى يعيشها وتعيشه ، تلك البيئة المكانية الريفية التي تعتمد على حرفة الزراعة فيقول :
تحترق حقول القمح
الحلبة
أعواد النعناع
تموت نبوءات الأزهار
فراشات النّوّار
تموء القطة والزنبار
وترمد أرضي
تقذف في الطرقات
ثعابين الرمضاء
نلاحظ تلك الصور التى تنبع جملة وتفصيلا من تلك البيئة المكانية عاكسة لتلك البيئات الأخرى المنصهرة فيها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية ، ليدل على ما وصل إليه الحال فى تلك الأرض الخصبة التى تحولت بفعل الزمن من إنتاج للأزهار والثمار الطيبة ، إلى ملجأ للثعابين التى تمرح فى هذا القيظ من الحياة ، وهنا أيضا تدفعنا الصور التى يسوقها الشاعر للتعرض لتأثير الزمان على المكان .. وتعود بنا الذاكرة للدراسات الطللية فى الشعر العربي .
ثم يسوق لنا الشاعر مفردة أخرى وصورة أخرى تحمل روح المقاومة والصمود فيقول :
وتبحث أطيار الظل المفقود
عن العنقود
تتدلى
تعبث
تحتج
تغامر
تغمز منطرف العينين
تفتش فى جوف النسيان
تسائله
تستأذن من حبّات القمح
التائهة الخربة
تفتح أبواب جذوع الأشجار
تقاسم قطعان النمل
جماعات الديدان
بقايا حبّات الزمن الفائت .
نلاحظ أن كل أفعال الفقرة السابقة تدل دلالة واضحة على الحركة والفعل والمحاولة الإيجابية للتخلص من قيود هذا الزمن المدودب على حد تعبير الشاعر.. فهو شاعر لا يقف موقف الراصد المعبر وصفيا عن اللحظة ، بل يعلم جيدا حقيقة الشعر ووظيفته ، وهى قدرته على الفعل والمقاومة .
ولنرى معا هذا الترتيب للأفعال ( تبحث – تتدلى – تعبث – تمنح – تغامر- تقاسم ) . ونلاحظ الفعل الأخير ( تقاسم ) ليدل على أن هناك قدرا من الحق قد تم أخذه نتيجة كل ما سبق من أفعال .
وفى قصيدة العرّافة يقول من تلك المفردات أيضا :
فتزرع شطّها الوردىّ
حور الليل
عريانة
وفى قصيدة سيمفونية يقول أيضا :
ونحلم بالخضرة فى طوفان الدم
وبالظل الوارف في أتون الشمس
ولنذهب لقصيدته الغداء الأخير نجد هذا الكم الهائل من تلك المفردات فيقول :
فلمن تأتين بسلة خبز
أرز
موز
قلة ماء
مأدبة غداء
يا جارية الحقل
وغانية الفقراء
وينطلق فى هذه القصيدة شارحا ما فعله هؤلاء فى حياته وحياتها سواء كانت تلك المخاطبة أمرأة أو وطن فيقول :
جرحوا الحقل وساحوا
لا يلوون على شئ آخر
غير الجرى على أجرين
على شطين نديين
على ثديين حلوبين
ثم يقول
مات الزمن الفائت ودفنّاه
كنّا نسمر بين الحقل وبين الدور
تثغو الساقية
ويثغو الراعي
والأغنام الشائهة
عواء البقرة والطنبور
كنّا ... كان
وهنا نجد الشاعر قد استخدم مفردات ووظفها بطريقة عكسية تعكس طبيعة ما وصل إليه هذا الزمن وتلك البيئة ، وهو ما يمكن أن نطلق عليه بالمفارقة التصويرية ، ناسفا كل العلاقات المنطقية للأشياء وللمفردات ، فها هي الساقية تثغو ، والراعي يثغو ، والبقرة تعوي وكذلك الطنبور ، وفى مثل تلك المفارقات التصويرية نجد أيضا سوار الأذنين ، وقرط المعصم ، والشاعر من وجهة نظرى نجح نجاحا كبيرا فى تلك الصور التى ساقها لنا ، فلم تكن بطريقة عفوية ، بل وظفها بطريقة تعبر عن وعى وتمكن كبيرين ، وليس هذا الحديث عن المفارقة التصويرية فى شعر الدسوقى ، حيث تحتاج لوقت ودراسة أكثر عمقا من مجرد الإشارة فقط .
نعود إلى مفردات الدسوقى المعبرة عن بيئته من خلال صفحات الديوان فيقول فى قصيدة ( حصار الحلم ) :
بعيون الأيام الساهرة وقفنا
ننتظر الشمس
نغازلها نمطرها الدفء
الصدق
الحب
حصاد الأمس المأزوم
ثمار العرق المكدود
الناعس فوق جبين الفأس
صليل المنجل
أفراح السنبل
أحمال السابلة
وحلم الأرض الصابرة
الأمل هو السلاح الذى يمكن الشاعر من المقاومة وعدم الاستسلام ، ينتظر الشمس ، الصباح الذى يعقب الليل والظلام ، يقدم فى سبيل تحقيق حلمه مجموعة أشياء مترجمة فى أفعال ( نغازلها – نمطرها الدفء ) معتمدا فى ذلك على الصدق والحب ورصيد كبير من العمل الجاد والعرق والكد.
ويستمر فيقول :
أحجبة العرّافة
وثغاء العنزة
أحلبها
تقسم ما فى الضرع الفائر قطرة حلب
ما فى الحلق الالصابر كسرة خبز
غصة عشب
هذه هي البيئة التى عاشها الشاعر ، بيئة فقيرة معدمة ، لكنها أبدا ما فقدت الإحساس بالقدرة على الحياة ، تتمسك بالحلم ، وتعشق أيضا التمسك به .
يقول أيضا :
ترقص عافيتي في عرس الشمس
ترّجع أغنية العمر المخضوضر
يملأ أحضان الأجران
تراتيل الساحة
موّال العنزة
إصرار الخنساء
كراريس الأولاد
علامات الاستفهام
وهنا نلاحظ تداخلا لكل البئات التى عاشها الشعر بمفاهيم البيئة النوعية ويستمر فى هذا التناغم بين البيئة الريفية والتراثية والدينية والاجتماعية والنفسية أيضا مستدعيا عمر بن الخطاب ناشدا عودة العدل ، وكما نرى فى الجزء السابق قد استدعى الخنساء ، داعيا استلهام قدرتها على الصبر والتجلد .
الشاعر محمد سليم الدسوقى واحد من الشعراء الذين أجادوا العزف على أوتار الكلمة فكانت إيقاعاته دالة وموحية ومتناسقة وذات شجون ، مستخدما فى ذلك المفردات والصور التى ولدتها تلك البيئة التى أنتجته فأنتجت جل أعماله الشعرية التى تعتبر إضافة كبيرة وهامة لمكتبتنا الشعرية العربية

سوف أبدأ الحديث عن الشاعر محمد سليم الدسوقى من منطلق القدرة لديه على ضبط إيقاع الكلمات بطريقة لافتة للنظر ، وهو ما يجعل القارئ يذهب معه ، وقد لا ينشغل كثيرا بالمحتوى ، الذى هو فى واقع الأمر يحمل دلالات كثيرة ويعبر عن قدرات خاصة للشاعر ، وهو ما قلته للشاعر بالفعل عند إحساسه بالإهمال النقدى الواضح لكتاباته التى قدم فيها جهدا خارقا ورؤية غاية فى الأهمية وتجربة أستطيع أن أقول أنها متفردة ، تختلف كثيرا عن المألوف فى صالوناتنا الشعرية ، ولعل شعوره بالتجاهل النقدى لم يكن حجر عثرة فى طريق مواصلته للكتابة ، فأخذ يعد ديوانا بعد الآخر ، فى كل ديوان تجد متعة مضافة فى تجربة الدسوقى ، ولعل ذلك يدفعنا لتبنى رؤية ( مالارميه ) فى تعريفه للشعر حيث يرى ..
إن الشعر هو التعبير باللغة البشرية وقد أرجعت إلى إيقاعها الأساس، إيقاع المعنى الغامض لمظاهر الوجود، بمعنى أن شرط الشعر ينبع من اكتساب لغته إيقاعاً خاصاً يتشكل من قوة الغموض في الطبقات العميقة للمعنى، تلك التي تحاول تفسير مظاهر الوجود المعقدة تفسيراً شعرياً، إلا أن دخول موسيقى الشعر بوصفها نظاماً قائماً على أسس وقواعد وقوانين منطقية ورياضية زاد من انتظام فعالية البنية الإيقاعية في النص الشعري، وفسّر في الوقت نفسه إشكالية الغموض والقوة فيه، ونقلها من فضائها السحري الغيبي إلى حيث تشتغل أدائياً في بنية القول الشعري، متجاوزة في ذلك الوظيفة التقليدية الصرف للإيقاع.
هذا النظام الجديد بقوانينه ونظمه وقواعده المحددة الواضحة التي تنطوي على إمكانات قابلة للانكشاف بمرور الزمن وتعقيد التجربة الشعرية وتعميقها، يتقدم بوصفه بنية رمزية تنتزع مفاتيحها من شبكة الدلالات التي تمتزج بها، وتنقلها من شكل الحياد في حدود واقعها الرياضي المقنن إلى صورة الانحياز المتضمن استنباط كل عناصر الحياة والإبداع والتجول في هذا الواقع المقنن، وجعله جزءاً متفاعلاً في التجربة.
إن المهمة التقليدية التي ينهض بها الشاعر في محاولة إيجاد محاورة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع، تبدو الآن غير كافية تماماً إذا ما أدركنا سر الارتباط الحيوي بين الشعر والموسيقى والعلاقة العضوية بينهما، بوصف أن الإيقاع المتولد عن هذا التداخل يعد مناخاً حيوياً يوفر لمنظومة الدلالات المتشكلة من جوهر المعنى الشعري قدرة أكبر على التمظهر واتساع الحدود.
إن المعنى لا يتحول من نثري محدد إلى شعري مطلق إلا من خلال اشتغال بنية إيقاعية، تسهم في إحداث هذا التحول الخطير في شكل اللغة وطاقاتها الدلالية، وصولاً إلى التعبير عن الظلال الوجدانية للدلالات.
من هنا يمكن التأكيد على أن أي خلل في الموازنة الحرة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع يصاحبه شرخ في شعرية القصيدة، يؤدي ضرورة إلى خلخلة نظمها وقوانينها.
يمثل الصوت أصغر وحدة إيقاعية في المفردة الداخلية في نسيج القصيدة الشعرية، ويكتسب في دخوله الشعري قيمة إيقاعية مضافة، من خلال الفعاليات التي تنهض بها مجموعة الأصوات المتجانسة والمتناثرة، وهي تؤلف موجهات تقارب قيما ًدلالية معينة، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إقصاء إيقاع المفردة الشعرية عن محتواها الدلالي.
وإذا كانت هذه العلاقة يكتنفها الكثير من الغموض والسرية في صورتها المجردة غير الشعرية، فإنها في الشعر تتجلى بكامل قوتها وعطائها، إذ أن للشعر قوته في كشف سرية العلاقة وإبانة غموض آلية التوصل بين معنى الصوت وصوت المعنى فيها.
وتظهر قوة الشعر الكاملة هذه في الطاقة التي ينطوي عليها الصوت مشرباً بالدلالة، وبقدر ما يكون هناك تجاوب صوتي فإنه يسهم في إحداث موازنة سيميائية دلالية، كما أن الجرس الموسيقي وهو يتشكل باندفاعات صوتية ذات صورة أكثر تعقيداً من الصوت المجرد، فإنه يشتغل على تصوير فضاء المعنى، ويعمل الإيقاع بوصفه المرحلة الصوتية الأكثر نضجاً وصيرورة على دعم هذا الفضاء من خلال إنتاج الفعل الصوتي في النص.
إن طبيعة التكون والنمو المحوري للدلالات في النص تفرض على الأصوات المؤلفة لها طبيعة السعة والعمق، بما يحقق تناسباً حياً تتمخض عنه البنية الإيقاعية الخاصة بالنص.
ويبدأ هذا التكون من نقطة "بؤرية" تلتقي فيها بؤرة المعنى مع بؤرة الصوت، ويتم الاتحاد بينهما في منطقة الشعر الغامضة، وباكتساب هذا الاتحاد قوته الشعرية تندفع بؤرة المعنى نحو التخلق الكامل بالتجربة، ومن ثم تقديم مستويات دلالية جديدة مشبعة بالتعدد والاحتمال يصاحبها تطور وتعقيد وعمق في البنية الإيقاعية، بالقدر الذي يستوعب انفجار الدلالة، ويحقق تماسكاً نصياً يستحيل فصله.
إن الوزن في شكله الأساسي المجرد هو الوعاء أو المحيط الإيقاعي الذي يخلق المناخ الملائم لكل الفعاليات الإيقاعية في النص، وهو في ذلك كالأرض الصالحة للزراعة التي لا تكتسب شكلها إلا من خلال النوع المزروع فيها، وهو يخلق منها صورة على نحو خاص تتغير "مادة وإيقاعاً" بتغير النوع. ( 1) فى مهب الشعر .د . نزار بريك . منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق 2003
فالوزن الشعري هنا تعبيري، بمعنى أن بؤرة الدلالة وظلالها هي التي تعطي للوزن شكله الإيقاعي الخاص.
ولنذهب مع الشاعر فى هذا المقطع من قصيدة ولاّدة بنت المستكفى
(1)
لا تنصرفي حطي رحلك فوق خيولي .... فوق ميولي فوق وعولي وعلى كفيْك .. ضعي في الدفء شذا كفِّى ! فلنا في الشمسلنا في الورْس عُيون تُقىً ....ولنا في الغرس سُلافةُ نعْس !ولنا في العرس..لنا في الأنس..إذا أعطيتِ..صباحةَ أحلام الفردوس ...حطي رحلك صوْب عيوني...فتميمتنا ...في المنعطف !!
وبقدر ما يكون الانسجام الواجب تحققه بين الدلالة والوزن الشعري كبيراً، فإنه يتمخض ضرورة عن التحام جدلي متطور بين فضاء الوزن والفضاء الدلالي في النص الشعري يزيد من أهمية الوزن، وتزداد هذه الأهمية أكثر كلما أصبح الوزن عنصراً دلالياً في النص، على مستوى تعميق البنية الدلالية في ذاتها وتجسيدها، إذ يبدأ من هنا باكتساب جماليته الخاصة التي لا يمكن لها أن تتحقق من دون الوصل بالوزن إلى هذه المرحلة من الالتحام والتفاعل مع بؤرة المعنى وما يتمخض عنها من آفاق دلالية متشعبة، قادرة على التعبير عن التجربة الشعرية بكل عمقها وثرائها وتعقيدها.
وتصبح حركة الوزن طبقاً لهذا المفهوم متماهية مع حركة المعنى ومحددة لها في بعض الأحيان، أي تتدخل في صلب طبيعة التشكيل النسيجي لنظم البناء في النص. " 1 "
ولعل قصيدة ولادة بنت المستكفى للشاعر تقدم شاعرا متمكنا من فنه تماما ، يستحضر التراث فيصبح فاعلا ، ونصبح معه فى تلك الحالة التى أشرت إليها فى صدر الحديث عن الشاعر ننطلق معه ثم نعود لمعرفة ذلك العمق الدلالى واستكشاف ذلك الغموض الجلى فى واقع الأمر ، إلا أن الإيقاع الراقص للكلمات وللمعنى وللدلالة أيضا جعلنا ننبهر بما نقرأ أو نسمع ،فيقول :

(2) " ولادةَ بنتَ المستكفى "لا تنسَىْ في ..الرحْل " العَرْفا "وزهورا تنتظر .. القطفَ وبدُورا فوق ليالينا ...تستبق الراحة والرجْف !وأغاني القصر المسحور .. وزمانَ الغُربة ، والمنفَى !أشياءَك لا تنسى منها .. عصفوراغردَنا صيفا ! ودعاءَ الشيخ المنصور ..وقصيد هوًى .. مائةً , ألفا ..ومُغَنٍّ كان يطرِّزها ..ويمُطُّ الآهةَ.. والحرف !ويرقِّص غانية المَقْهَى...فتُثنِّى الصلصلةُ .. العِطف !ويغار السحْر الإغريقى!ويغار العطر على "دلْفَى"!(3) "ولادة بنت المستكفى"يا بنتَ سماحتنا دورى فرغيفك يعشق تنُّورى !!وخيولى تسبقنا سبقَا ... لرُوَاق السلطان الغُورى !! وأبوك يجُزُّ ..حقائبنا جزَّا ...ويمزق حبى الأسطورى ! فتعالَىْ نأخذ قسمتَنا .. فى بيتى .. غيطى ..شُحْرورى فهنا قصرٌ وهنا أمرٌوهنا خمرٌ وهناك حنِينى ...وحُبورى ! وأبى رجلٌ مستورٌ ..يرفُلُ فى البيت المستور ورضا أمى .. وخلاخلُها ..ودعاء الشيخة .. دستورى !!أرجوكِ ..أخوكِ يباركنا ..ويعانق أطياف النور !وهنا "فرديناندو" يعدُو ..ويصبُّ الليل الديْجورى فدُوَار اللعنة يسكنه ...وسُعار الزهو الأشّورى !(4)"ولادة بنت المستكفى" رُدى يا بنتَ سماحتنا ..فأنا بركانك وسْنانا وأمامك يومٌ للسلْوى ...ورديفٌ يحتضن هوانا !قالت:- فليكن الآنَ !!ونعود لأيكتِنا توّاً ..فأبى يمتارُك ولْهانا وهناك الشيخُ المأذونُ ...وقليلٌ من شمع صبانا ورغيفٌ ينتظر الملح , وزفيفٌ ...فى قلبى كان !...... فمضى ...حمدا لله , وصبرا , شكرا ..عرفانا وعلى ربَوات الأندلس ...ورفيفِ الحمراء جَوَانا !فخيولى مسرجةُ الأمس ..وغُيُولى فى عين الشمس !!وغداً "مرجانة" فى العرس ..تَسْبِى فى شدوٍ "مرجانا" !ويعود الشعر لقافلتى ..ويعود الماء لمجرانا !ويقول الناس لقابلتى : .." ولادةُ بنتُ المستكفى" ...صارت فى النجوى شعراً ..وعلى دقات الموسيقى ..صارت للدنيا .........شانا !!! " 2 " من قصيدة ولادة بنت المستكفى
وكلنا يتذكر قصة ولادة مع ابن زيدون .. أليست القصيدة هذه قدمت لكل ما سبق الحديث عنه آنفا وعبرت عن شاعر صاحب رؤية وتجربة كبيرة يجب الإشادة بها لا الإشارة فقط بعيدا عن دروب التهميش والتجاهل والنسيان .
ولنا أن نستكشف قدرات الشاعر الرومانسية ، عذوبة ورقة فيناجى المحبوبة أيا كانت تلك المحبوبة قائلا :

لأن بشالك بعض الشحوب ... وبعض الندوب .. وبعض الكلال فقد همت فى سقسقات الدلال! وطوعت عينى على فلجة فى السراج... على فلة فى السياج عليـك لأن الذى فى يديك سقام الجمال
ويستمر الشاعر فى مناجاته الهادئة للمحبوبة ، ويطلب منها البوح ، يلح فى طلبه لعدة اعتبارات يسوقها إليها كي تبوح .. ففى قصيدة " بوحى "يشير الشاعر إلى إشارات دالة تعبر عن حالة المحبوبة وموقفها فيبدأ القصيدة قائلا :
أشيحى بوجهك أوْ لا تُشيحى
وهذا يحيلنا لأشياء وأفكار قد تتبادر إلى الذهن على رجع هذا المفتتح ، حيث يبثها أسبابه التى تدفعه لذلك الطلب فيقول :
فقد باح بالعطر همس المُسُوحوصرْصرَت الريحُ نجوى الروابىوعبَّقت الروح شجوى سفوحىأريجُكِ ...لكن أريجى مباحٌوعطرى لعطركَ...فلتستبيحيغداً تقرئين الذي فى كتابىوتسترجعين الذى فى ضريحى !ونقْرِى على غُلَّة فوق بابىوشعرى على لُجَّة فى جروحىتبُوحُ الليالى الضوارى وأنتِعلى نجوةٍ فى الصَّوارى...فبُوحى

حين نتحدث عن الشعر، هذا الخواء ذي الرنين حسب عبارة هيدغر، فإننا إنما نتحدث بالضرورة عن (اللغة الشعرية) سواء أكانت قديمة أم جديدة، أي عن تلك العلاقة التي ألفنا قراءتها أو سماعها في اللغة النثرية الاعتيادية. ولئن كانت لغة النثر نفسها لا تخلو، أحياناً، من بعض الصور البلاغية والمجازية الموجودة هنا وهناك، فإنها لا تصل في كثافتها إلى حد خرق قانون اللغة. فالشعر، كما يقول الناقد الفرنسي (جان كوهن)، ليس نثراً يضاف إليه شيء آخر، بل هو النقيض للنثر، وبالنظر إلى ذلك يبدو سالباً تماماً، غير أن المعروف أن الشعر لا يحطم اللغة العادية إلا ليعيد بناءها، ومن هنا جانبه الإيجابي. ولذلك فإن اللغة لا تكسب صفة الشعرية أو الشاعرية من دون تحقيق قدر مناسب مما صار يسمى (الانزياح) عن قانون اللغة فكل صورة شعرية تعمل على خرق قانون أو قاعدة من قواعد اللغة أو مبدأ من مبادئها الدلالية.
ومعروف أن من أهم مظاهر الانزياح التي أشار إليها (جان كوهن) في كتابه (بنية اللغة الشعرية) يتمثل في أمور مثل التجنيس والقافية اللذين يعملان على عرقلة مظهر الاختلاف الصوتي الذي يضمن أداء الرسالة اللغوية، وخرق الترابط الدلالي والنحوي عن طريق اختلاف الوقفة الدلالية مع الوقفة النظمية، وإسناد صفات غير تلك اعتادت أن تصف الأشياء بها.. الخ " 3 " د: .ضياء خضير شعر الواقع وشعر الكلمات . منشورات اتحاد كتّاب العرب




إيقاع البيئة : -
ولما كان الشعر العربي، شعر مكاني في ارتباطه بالبيئة التي أنتجته، والإنسان الذي أبدعه، ولعل الإنسان لا يمكن أن ينتج شيئا إلا فى مكان وعن مكان ،كان لزاما على الدرس الأدبي أن يلتفت إلى المكان فيه، نظرة لا تحكمها التابعية، فتحصر هم المكان في بعض المظاهر الثانوية، أو تتخطاه لمجرد ذكره بعبارات اهترأت استعمالاتها، و خوت دلالتها،و صدأت جدتها. بل التنقيب في عمق العلاقات التي ينشئها المكان بينه وبين مختلف المعاني، والعادات القولية، والفعلية، والأخلاق، والسلوك. مادامت الغنائية في الشعر العربي إنما تتأسس على اهتمام فردي في المقام الأول، ثم تنفتح لعديد من العلاقات الأخرى.
واستعمل "القرآن الكريم"هذا النعت المكاني:"أصحاب اليمين"و"أصحاب الشمال"للدلالة على أهل الجنة، وأهل النار.كما استعمل غيره من النعوت المكانية لتجسيد صور الإيمان والكفر. ( 4 ) فلسفة المكان في الشعر العربي .د. حبيب مونسى . منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2001
وهذا يدفعنا للتأكيد على البيئة المكانية والنفسية والاجتماعية بمفاهيمها المختلفة عند الشاعر محمد سليم الدسوقى من خلال مجموعة من الصور الشعرية والدلالات التى وردت فى نصوصه ، حيث لا تخلو قصيدة من قصائده إلا وتبزع مفردات وصور ودلالات تعبر عن البيئة بمستوياتها المكانية والاجتماعية والنفسية فى آن .
ولنقترب قليلا من تأثر الشعراء المحدثين بكل ما أحاط بهم من ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية ، فعلى المستوى الاجتماعي هناك من شغل نفسه أو انشغل بقضايا العدل الاجتماعي ، والتكافل الاجتماعي ، وهناك من اعتنق منهجا سياسيا للدفاع عن حرية واستقلال الأمة وآخرون شغلوا بالقضايا الثقافية ، خاصة أن هذا العصر شهد أكبر محاولات تجديد فى شكل القصيدة العربية ( قصيدة التفعيلة ) وما زالت المعارك الثقافية مستمرة ، لم يكن محمد سليم الدسوقى إلا مستفيدا من هذا الحراك الثقافي وتلك المعارك ، فنتج إبداعه مواكبا لحركات التجديد بما يخدم ما قلناه سلفا عن إيقاع الكلمة ولعل القارئ لشعر الدسوقى يدرك قدراته الفنية العالية فى هذا الخصوص ، ولنذهب معا لبعض قصائد ديوانه (الحب فى زمن الرمادة ) " 5 " ديوان صادر عن سلسلة أصوات معاصرة ..
ذلك الزمن الذى يعكس بلا ريب زمنا ما ودالا على حاضر ما أيضا ، مستخدما مفردات غاية فى الدلالة مكنته من رسم اللوحات الفنية التى أرادها لهذا الزمن المَتاجر فيه بكل المعاني الجميلة ، ويصبح زمنا للدّلاّلات والنخاسين وتجار الكلمات ، ولندرك أيضا مدلول تجار الكلمات هنا ..
إن الشاعر يستخدم مفردات من بيئته التى يعيشها وتعيشه ، تلك البيئة المكانية الريفية التي تعتمد على حرفة الزراعة فيقول :
تحترق حقول القمح
الحلبة
أعواد النعناع
تموت نبوءات الأزهار
فراشات النّوّار
تموء القطة والزنبار
وترمد أرضي
تقذف في الطرقات
ثعابين الرمضاء
نلاحظ تلك الصور التى تنبع جملة وتفصيلا من تلك البيئة المكانية عاكسة لتلك البيئات الأخرى المنصهرة فيها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية ، ليدل على ما وصل إليه الحال فى تلك الأرض الخصبة التى تحولت بفعل الزمن من إنتاج للأزهار والثمار الطيبة ، إلى ملجأ للثعابين التى تمرح فى هذا القيظ من الحياة ، وهنا أيضا تدفعنا الصور التى يسوقها الشاعر للتعرض لتأثير الزمان على المكان .. وتعود بنا الذاكرة للدراسات الطللية فى الشعر العربي .
ثم يسوق لنا الشاعر مفردة أخرى وصورة أخرى تحمل روح المقاومة والصمود فيقول :
وتبحث أطيار الظل المفقود
عن العنقود
تتدلى
تعبث
تحتج
تغامر
تغمز منطرف العينين
تفتش فى جوف النسيان
تسائله
تستأذن من حبّات القمح
التائهة الخربة
تفتح أبواب جذوع الأشجار
تقاسم قطعان النمل
جماعات الديدان
بقايا حبّات الزمن الفائت .
نلاحظ أن كل أفعال الفقرة السابقة تدل دلالة واضحة على الحركة والفعل والمحاولة الإيجابية للتخلص من قيود هذا الزمن المدودب على حد تعبير الشاعر.. فهو شاعر لا يقف موقف الراصد المعبر وصفيا عن اللحظة ، بل يعلم جيدا حقيقة الشعر ووظيفته ، وهى قدرته على الفعل والمقاومة .
ولنرى معا هذا الترتيب للأفعال ( تبحث – تتدلى – تعبث – تمنح – تغامر- تقاسم ) . ونلاحظ الفعل الأخير ( تقاسم ) ليدل على أن هناك قدرا من الحق قد تم أخذه نتيجة كل ما سبق من أفعال .
وفى قصيدة العرّافة يقول من تلك المفردات أيضا :
فتزرع شطّها الوردىّ
حور الليل
عريانة
وفى قصيدة سيمفونية يقول أيضا :
ونحلم بالخضرة فى طوفان الدم
وبالظل الوارف في أتون الشمس
ولنذهب لقصيدته الغداء الأخير نجد هذا الكم الهائل من تلك المفردات فيقول :
فلمن تأتين بسلة خبز
أرز
موز
قلة ماء
مأدبة غداء
يا جارية الحقل
وغانية الفقراء
وينطلق فى هذه القصيدة شارحا ما فعله هؤلاء فى حياته وحياتها سواء كانت تلك المخاطبة أمرأة أو وطن فيقول :
جرحوا الحقل وساحوا
لا يلوون على شئ آخر
غير الجرى على أجرين
على شطين نديين
على ثديين حلوبين
ثم يقول
مات الزمن الفائت ودفنّاه
كنّا نسمر بين الحقل وبين الدور
تثغو الساقية
ويثغو الراعي
والأغنام الشائهة
عواء البقرة والطنبور
كنّا ... كان
وهنا نجد الشاعر قد استخدم مفردات ووظفها بطريقة عكسية تعكس طبيعة ما وصل إليه هذا الزمن وتلك البيئة ، وهو ما يمكن أن نطلق عليه بالمفارقة التصويرية ، ناسفا كل العلاقات المنطقية للأشياء وللمفردات ، فها هي الساقية تثغو ، والراعي يثغو ، والبقرة تعوي وكذلك الطنبور ، وفى مثل تلك المفارقات التصويرية نجد أيضا سوار الأذنين ، وقرط المعصم ، والشاعر من وجهة نظرى نجح نجاحا كبيرا فى تلك الصور التى ساقها لنا ، فلم تكن بطريقة عفوية ، بل وظفها بطريقة تعبر عن وعى وتمكن كبيرين ، وليس هذا الحديث عن المفارقة التصويرية فى شعر الدسوقى ، حيث تحتاج لوقت ودراسة أكثر عمقا من مجرد الإشارة فقط .
نعود إلى مفردات الدسوقى المعبرة عن بيئته من خلال صفحات الديوان فيقول فى قصيدة ( حصار الحلم ) :
بعيون الأيام الساهرة وقفنا
ننتظر الشمس
نغازلها نمطرها الدفء
الصدق
الحب
حصاد الأمس المأزوم
ثمار العرق المكدود
الناعس فوق جبين الفأس
صليل المنجل
أفراح السنبل
أحمال السابلة
وحلم الأرض الصابرة
الأمل هو السلاح الذى يمكن الشاعر من المقاومة وعدم الاستسلام ، ينتظر الشمس ، الصباح الذى يعقب الليل والظلام ، يقدم فى سبيل تحقيق حلمه مجموعة أشياء مترجمة فى أفعال ( نغازلها – نمطرها الدفء ) معتمدا فى ذلك على الصدق والحب ورصيد كبير من العمل الجاد والعرق والكد.
ويستمر فيقول :
أحجبة العرّافة
وثغاء العنزة
أحلبها
تقسم ما فى الضرع الفائر قطرة حلب
ما فى الحلق الالصابر كسرة خبز
غصة عشب
هذه هي البيئة التى عاشها الشاعر ، بيئة فقيرة معدمة ، لكنها أبدا ما فقدت الإحساس بالقدرة على الحياة ، تتمسك بالحلم ، وتعشق أيضا التمسك به .
يقول أيضا :
ترقص عافيتي في عرس الشمس
ترّجع أغنية العمر المخضوضر
يملأ أحضان الأجران
تراتيل الساحة
موّال العنزة
إصرار الخنساء
كراريس الأولاد
علامات الاستفهام
وهنا نلاحظ تداخلا لكل البئات التى عاشها الشعر بمفاهيم البيئة النوعية ويستمر فى هذا التناغم بين البيئة الريفية والتراثية والدينية والاجتماعية والنفسية أيضا مستدعيا عمر بن الخطاب ناشدا عودة العدل ، وكما نرى فى الجزء السابق قد استدعى الخنساء ، داعيا استلهام قدرتها على الصبر والتجلد .
الشاعر محمد سليم الدسوقى واحد من الشعراء الذين أجادوا العزف على أوتار الكلمة فكانت إيقاعاته دالة وموحية ومتناسقة وذات شجون ، مستخدما فى ذلك المفردات والصور التى ولدتها تلك البيئة التى أنتجته فأنتجت جل أعماله الشعرية التى تعتبر إضافة كبيرة وهامة لمكتبتنا الشعرية العربية

الاثنين، 18 فبراير 2008

كتب الأديب الكبير / سمير الفيل عن مؤتمر ديرب نجم .. الموروث الشعبى




في مؤتمر ديرب نجم :


الأدب يجمع كل الأضداد على أرضية الموروث الشعبي


.* أصبح شعار " مؤتمر اليوم الواحد " نموذحا ناجحا للأفكار التي يمكن توليدها في ظل ظروف مناوئة للمعرفة !


* حين يتحول المبدعون إلى نقاد .


تجربة حققت نجاحا ملموسا وأنهت هيمنة الأكاديميين المطلقة


.* الدكتور محمد عبدالسلام : أرفض السيرة الهلالية لأنها سيرة جماعة من قطاع الطرق واللصوص !


* علاء عيسى يسعى للتجاوز وكسر المألوف فهو بذلك يغرد خارج السرب .


* وظفت نجلاء محرم باقتدار للوثائق التاريخية ،


و تبنت مفهوم العرب للزمان ، وهو الزمن الدوري وليس الأفقي .

* في قلب مدينة ديرب نجم كانت الدورة السابعة من مؤتمر اليوم الواحد الذي نبتت فكرته في تلك البقعة الخضراء المدججة بالمثقفين ومحبي الأدب شمال شرق الدلتا ، وقد حضرت في السابق باحثا لكنني تواجدت هذه المرة متابعا لتجربة رائدة انبثقت فكرتها من هنا ، وهذا أتاح لي فرصة تدوين كل صغيرة وكبيرة في تجربة الزملاء ، للاستفادة بها في تجارب مماثلة . ومؤتمر اليوم الواحد تقليد ابتدعته مجموعة الشباب في " ديرب نجم " للتغلب على ظروف معينة منها قلة الإمكانيات ، وفقر المؤسسة الثقافية ، وابتعاد مدينتهم عن مركز اتخاذ القرار لكن نجاحه جعل المسئولين يقتنعون بالفكرة ، فعمموها في كل أنحاء مصر ، وأصبح شعار " مؤتمر اليوم الواحد " نموذحا ناجحا للأفكار التي يمكن توليدها في ظل ظروف مناوئة للمعرفة ونقل الثقافة .


* هي مدينة يغلب عليها الطابع الريفي ـ ليست حرفية مثلا كدمياط أو ساحلية كبورسعيد أو صناعية تضج بمحركات الآلات كالمحلة الكبرى ـ تقع جنوب الزقازيق العاصمة وقد ارتبط اسمها ثقافيا بالشاعرين الكبيرين الدكتور حسين علي محمد والدكتور صابر عبدالدايم ، وحينما كانت الصحبة الحلوة تودع وفدنا الصغير قال لي صديق أحبه لفيض إخلاصه لهؤلاء الرواد : لا تنس أن تذكر في تغطيتك أننا ممتنون جدا لوجود دراسات لهذين الشاعرين الكبيرين في أوراق المؤتمر رغم أنهما خارج الوطن.* وعودة إلى فعاليات مؤتمر " الأدب وموروثاتنا الشعبية " الذي انعقد يوم الاثنين 5 مارس 2007 نجد أن رئيسه هو الشاعر الصحافي حزين عمر ، وأمينه العام المسرحي عبدالله مهدي أما رئيس لجنة الأبحاث فهو الشاعر الشاب علاء عيسى . والجميل في أمر كتيبة المثقفين في " ديرب نجم " أنهم يتحركون بشكل جماعي ، ويتبادلون الأدوار في حب وحميمية ، وبتناغم عال مؤكدين أن لديهم الرغبة في التعلم والمثقاقفة دون استعداء العاصمة والصراخ في وجه كل صحفي يقترب منهم بعبارات مثل " نحن مظلومون أو نتعرض لتعتيم مقصود " . هذه الثقة التي يتعاملون بها مع الوضعية الثقافية المصرية وفرت لهم مساحة من المصداقية تجلت في كتاب الأبحاث الذي تخلص من عيوب الطباعة المدمنة ، فالأخطاء بسيطة ،والبنط مناسب كما أن الغلاف للفنان أحمد الجنايني في غاية الروعة والرشاقة.* لكن هذا ليس معناه أن كل شيء " تمام التمام " فثمة ملاحظات من أبرزها تأخر جلسة الافتتاح ، ومشكلات مكبر الصوت الذي تنقطع تردداته باستمرار ، وعدم حضور بعض الباحثين والمبحوثين رغم أن الأمانة قد اجتهدت بوضع لوحات إرشادية تضم أسماء الفريقين.* تضمن الافتتاح كلمة رئيس النادي الأدبي القاص أحمد محمد عبده ، وكلمة أمين عام المؤثمر عبدالله مهدي ، وكلمة رئيس المؤتمر حزين عمر ، ثم كلمة محمد الشاعر مدير فرع ثقافة الشرقية ، وكلمة لتحية المؤتمرين لحسن الشاعر ، وقد تأخر حضور رئيس الإقليم الثقافي لوجوده في اجتماع بالقاهرة ولم يحضر إلا في الجزء الأخير من تناول الأبحاث .* تضمن حفل الافتتاح تكريم فتحي حامد عقل مدير فرع ثقافة الشرقية السابق ، ومعنى التكريم هنا أن الرجل قد ترك " بصمة " فعلا في مفهوم العمل الثقافي فقد تعامل مع الأدب والفنون تعامل المحب ، لذا جاء التكريم مستحقا ، وهو عبارة عن لوحة بديعة تأخذ شكل باقة أزهار مشغولة بالمعدن المذهب مع شهادة تقدير. ووزعت على الحضورمطوية تتضمن سيرة ذاتية للمكرم عرفنا منها أنه من مواليد محافظة الدقهلية 1946 ، حصل على ليسانس آداب من جامعة الأسكندرية 1970 ، وقد عين بالثقافة الجماهيرية في نفس السنة ، والتحق بالخدمة العسكرية وترقى حتى رتبة " نقيب احتياطي " وكان له شرف عبور قناة السويس في حرب أكتوبر 1973 ، وقد عمل بليبيا والسعودية ومثل مصر في الأسبوع الثقافي بعمان ، وتدرج في المناصب الثقافية وكان آخرها منصب مدير عام ثقافة الشرقية 2002 حتى بلغ سن المعاش في سبتمبر 2006. والحقيقة أن فتحي عقل واحد من أهم المديرين الذين يأخذون مهمة قيادة الثقافة بجدية وضمير يقظ عكس عشرات غيره يتعاملون مع المنصب تعامل الكاره أو الموظف البيروقراطي الحانق على الرواد والثقافة والدنيا بأسرها .* الجلسة البحثية الأولى أدارها الدكتور محمود عبدالحفيظ وتضمنت دراسة هامة جدا " حول المأثورات الشعبية " للأستاذ الدكتور محمد عبدالسلام أستاذ الأدب الشعبي بجامعة الزقازيق والذي أكد أن الماثورات الشعبية تؤدي وظائف لا غناء عنها في حياة أصحابها ، وقد تكون هذه الوظيفة هي ترسيخ معتقد أو قيمة أخلاقية ، أو هي تعليم من يتلقاها بعض المعارف الشعبية أو هي تأكيد قيمة اجتماعية ، أو اعتقادية ، ومنها كذلك المعاونة على ضبط حركة الجسم ، أو هي الترويج في إطار الحياة الشعبية كما يقول الدكتور أحمد رشدي صالح . وهاجم الدكتور محمد عبدالسلام السيرة الهلالية وقال إنها سيرة جماعة من قطاع الطرق واللصوص سطوا على هذا الشعب حينما مروا من الجزيرة العربية إلى تونس في هجرة بشرية جالبين معهم تراثا بدويا غريبا لا علاقة لنا به ، ولكن يوجد هناك أدب شعبي حقيقي مثل الغناء الذي يغنيه الناس في أحزانهم وأفراحهم ، وفي طقوس الزواج والميلاد ، مثلما نستمع للفلاح وهو يغني لنهره :" لولا الوداد ما جريت يانيل ..ولاجرت في القنا المية .. " .وأضاف الباحث أن الأدب الشعبي يتسم بالجانب النفعي ، ويختلف بذلك من وجوه كثيرة عن الأدب الفصيح الرسمي ، ذلك أن الأدب الشعبي يرتبط بمنفعة الإنسان وثرواته أكثر مما يرتبط بتحقيق القيمة الجمالية أو التسلية أو الترفيه أو تزجية أوقات الفراغ.* الجلسة الثانية رأسها القاص أحمد محمد عبده وتضمنت أربعة أبحاث :ـ قدم عبدالمنعم عواد يوسف قراءة في ديوان " تنهدات الريح " للشاعر محمد سليم الدسوقي ، وأذكر أن الدسوقي قد أصدر أول ما اصدر في بداية سلسلة " أصوات معاصرة " ديوان " طقوس الليل الممتدة " ، وقد أشار الباحث إلى أنه إذا تجاوزنا الظاهرة الموسيقية إلى المحتوى فسنرى أن التجربة الوجدانية المتصلة بالحب والعاطفة والعلاقة بالأنثى تشكل المشترك الأعظم في محتوى قصائد الديوان .ـ الدكتور شكري الطوانسي أستاذ الأدب والنقد بجامعة الزقازيق قدم بحثا بعنوان " المفارقة في بناء العالم الشعري" وفيها قراءة في ثلاثة دواوين لكل من بدر بدير وعبده الريس ورضا عطية. وفي متن الدراسة أشار الباحث إلى أنها قد تكون مصادفة أن تتفق الرؤى الشعرية الثلاثة على اختيار المفارقة بنية للوجود الشعري في عوالمهم وقد تكون مماحكة نقدية أو إسقاطا لإيديولوجيا المؤول الذي يرى أن الوجود الإنساني ينهض بالتناقض والتعارض والتنافر موسعا من مقولة " د. سي . ميويك " إن " تجاور المتنافرات جزء من بنية الوجود " . ـ الناقد مجدي جعفر قدم قراءة متماسكة لثلاثة دواوين شعرية رأى فيها أن الشاعر علاء عيسى في ديوانه " خيانة " يسعى للتجاوز وكسر المألوف فهو بذلك يغرد خارج السرب حيث ينطلق من رؤية واضحة ، وله فلسفته وأيديولوجيته ، منحازا إلى جموع الناس التي تعاني وتجاهد ، أما الشعر علي عبدالعزيز فهو رغم عتمة الواقع وقسوته في ديوانه " نعي الغلابة لبعضهم " مازال قادرا على الغناء ، ومع الشاعر ناصر فلاح نجده يعود لرياض الشعر ليغرد للمحبوبة و الوطن . ـ وآخر دراسات التي قدمت في الجلسة الثانية ما قدمه الباحث نبيل مصيلحي في تناوله لديواني " خفافيش " لحسين منصور ، وحامد أنور في ديوان " بهدوء طليت على البحر " . في التمهيد التنظيري للدراسة يرى مصيلحي أن الكثير من الدراسات النقدية تعجز عن اكتشاف ما في النص الشعري العامي من إبداع يتبنى رؤية الشاعر وموقفه تجاه العالم ، أو تطرح ما في النص من أفكار ومعاني وعواطف ورؤى ورموز ودلالات وموسيقى. * الجلسة الثالثة والأخيرة خصصت للسرد وقد أدارها الشاعر علاء عيسى ، وقدمت فيها عدة دراسات :ـ الدراسة الأولى قدمها بهي الدين عوض عن فتحي سلامة حول المجموعة القصصية " هؤلاء علموني الحب " لفتحي سلامة ، وقال الناقد أن سلامة جســّد في هذه المجموعة قضايا العالم المعاصر ، برؤية ثاقبة كاشفة وبأسلوب شيق رشيق سهل ممتنع ، وفي إيقاع درامي يتوائم مع إيقاع هذا العالم الغريب المدهش الذي يموج بالمفاجآت والمتناقضات والمفارقات بعد أن اختل ميزان الحق ، وغيبت الحقيقة ، وتاهت مسارات خطاها.ـ الدراسة الثانية جاءت أقرب لمجموعة بحوث حول عدد من كتاب السرد في " ديرب نجم " . فثمة متواليات نقدية تكمل بعضها بعضا ، فالمعالجة الأولى حملت عنوان " بنية الحداثة في قصص مجدي جعفر القصيرة " ، وقال الباحث صادق إبراهيم صادق أن بنية الحداثة تمثل نمطا يوشك أن يصبح متفردا في مكونات نصوص مجدي جعفر لتثير دهشة القاريء والناقد معا حيث نجح في الإفلات من براثن الغموض والتيه المتعمد أحيانا من جانب ممن كتبوا القصة . تستهوي القاص فكرة التجريب والخوض في ميادين العبثية بحيث يتماهى الزمان في المكان وتتداخل الشخوص وتتقاطع وتنكسر كل القواعد المنطقية وجعفر يسعى جادا لتوظيف كل أشكال (الفانتازيا ) والتجريب لخدمة الفكرة التي يريد القاص أن يسلط الضوء عليها.وفي معالجته لمجموعة " ليست كغيرها " للقاص محمود الديداموني طرح " دلالة العنوان "، ورأى أن الكاتب له رغبة شديدة في خلق شكل قصصي مستمد من حضور تجربته الفردية ويقودنا بذلك إلى استشعار أكثر من احتمال أمام كل قصة وأضاف الباحث إن عنوان المجموعة فخ للقاريء ، فعندما تقرأ العنوان يتبادر إلى ذهنك أن هناك فتاة ليست كغيرها ، وعندما تقرأ القصة تفاجأ بأنك وقعت في خدعة العنوان أو شركه وأوضح أن المجموعة تتميز بتعدد الأفكار التي يطرحها كل نص ، وانفتاحها على الشكل الذي يصل إلى القاريء حسبما يمليه عليه ذوقه الأدبي وتفاعله مع الحياة ، ويتجه الديداموني نحو الذات مباشرة بكل ما عليها من معاناة.وفي تناوله لمسرحية "عودة خضرة الشريفة " وجد الباحث أن عبدالله مهدي استطاع أن يتحرر تماما من التجربة التاريخية كما دونت أو رويت ، وعاش التجربة الواقعية بكل ما تحمل من مآس وأحزان مستعيدا روح الماضي ليعبر عن جوهر الحاضر فلا تعوزنا الفطنة الشديدة لإدراك أن المؤلف وصل بهذا العمل إلى مستوى المواجهة مع التراث : الإتصال والانفصال.ـ قدم الدكتور ابراهيم عبدالعزيز زيد أستاذ الأدب والنقد بجامعة الزقازيق دراسة ثالثة بعنوان " التقاء الخيوط المتوازية " وهي تتناول البناء الدلالي لرواية " الغزو عشقا " لنجلاء محرم .قال الباحث أن الرواية قد أقامت بناءها من مجموعة من الرواة يتبادلون السرد ، بالإضافة إلى وثائق تاريخية برزت بوصفها سردا مقحما وأضاف الباحث أن ثمة إشارة مهمة ، وهي توظيف الكاتبة باقتدار للوثائق المتبادلة بين بونابرت ودوجا ، وعبر الباحث عن تقديره للروائية التي تبنت مفهوم العرب للزمان ، وهو الزمن الدوري وليس الأفقي ، وفيه تشتبك أحداث الماضي بالحاضر والمستقبل ، وهنا نجد أن الحاسة التاريخية هي عند المبدع هي التي تقرب بين الزمني واللازمني . الزمني الذي هو زمن كتابة النص ، واللازمني الذي هو تاريخ مفتوح يسقط منه ما يشاء ويستبقى منه ما يشاء . ـ كذلك قدم محمود الديداموني قراءة نقدية في متوالية بحثية ضمت ثلاثة أعمال : بدأها بتناول رواية أحمد محمد عبده " ثعالب الدفرسوار " وجعل عنوان دراسته " إدفنوني حيث أموت . صراع بين الراسخ والمتطفل " ، حيث أكد أنها رواية تمتليء بروح المقاومة والتوحد ، ويعاني أبطالها من الظلم المنتشر في كل مكان . من العدو ومن الحبيب . إنها رواية تختلف فيها معايير الحكم على الأشياء . يجد الواحد نفسه تحت كم هائل من الضغط النفسي والعصبي الذي لاحد له .كما قدم الباحث قراءة ثانية في رواية "شغل الليل والنهار " للقاص ثروت مكايد عبدالموجود ، وأوضح أن الرواية تدور في فترة الستينات من القرن الماضي ، يتعرض فيها الكاتب إلى اضطهاد الثورة ورجالها للإخوان المسلمين ويؤكد ثروت مكايد لأهمية أن يعود النظام الإسلامي إلى الوجود حيث بعودته تستقيم الأمور . وقال الباحث أن الرواية جلبت إلى ذهنه قضية " موت المؤلف" ، كما نلمح وجود حبل سري بين الرواية كعمل أدبي وبين السياسة .وأخيرا قدم الديداموني قراءة عنونها ب" مجنون أحلام بين الحيز وآليات السرد " وهي قراءة في مجموعة قصصية للدكتور حسين علي محمد . وقد أكد الباحث في مقدمة دراسته أننا أمام قاص متمرس ومتجدد وذو شخصية ، وأمام مجموعة قصصية دسمة ، ذلك الرسم الفني الذي لا يصدر إلا عن كاتب واع استطاع بمفردات حياتية أن يشكل عملا على قدر كبير من الاتصال . وأضاف الباحث في بنية الدراسة : " إن رسم الشخصيات لا يكتمل ولا تتحدد معالمها بدون إطار يضمها ، ولست أعني بالمكان هنا الإطار الضيق له حيث تعدى الكاتب هذا المكان ليشمل حيزا أكبر منه ، وهو ما يمكن أن نطلق عليه " الحيز " حيث ينصرف استعمال الحيز إلى النتوء والوزن والثقل والحجم والشكل على حين المكان لا يتعدى حدوده الجغرافية " . وقد اعترض الدكتور محمود عبدالحفيظ في مداخلته على هذا التوصيف ووجد ان الحيز هو المكان ، وكان ذلك ضمن مجموعة من المداخلات الأخرى التي تناولت الدراسات المطروحة للمناقشة .على هامش المؤتمر:ـ ثلاثة من الأدباء المرشحين لعضوية مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر حضروا المؤتمر وأقاموا جلسة عمل في مقهى بالمدينة لمناقشة قضايا الاتحاد ، وهؤلاء الكتاب هم : القاصة هالة فهمي ، والشاعر عبدالمنعم عواد يوسف ، والشاعر احمد فؤاد. ـ المهندس محمد بحيري عامر رئيس مركز ومدينة ديرب نجم حضر جزءا من جلسات المؤتمر وقد رصع كلمته بأبيات شعرية وكان أكثر من احتفى به فتحي عقل والشاعر بدر بدير .ـ مصطفى السعدني رئيس إقليم شرق الدلتا الثقافي حضر مع اقتراب المؤتمر من نهايته ، وقال أن رسالة الشاعر نبيل مصيلحي التي نشرت بصحيفة " الجمهورية " بخصوص إنشاء قصر ثقافة ديرب نجم هي محل دراسة من الفنان احمد نوار رئيس الهيئة. بعدها ألقى السعدني قصيدة جديدة مكثفة اللغة ، ومثقلة بالدلالات بعنوان " موت العصافير" .ـ وزع الأدباء كتبهم على الحضور ، ومن بين الإصدارت التي وزعت " دموع وابتسامات " للشاعر بدر بدير ، و" ملامح التجربة الإبداعية عند بدر بدير " دراسة لثروت مكايد عبدالموجود .ـ وزع القاص فكري داود روايته الجديدة " عام جبلي جديد " ، كما وزع القاص الدسوقي البدحي مجموعته القصصية الأولى " صخب الصمت" .ـ طالب الكاتب بهي الدين عوض في مداخلة له بضرورة تذكر الأدباء الراحلين وضرب المثل بالشاعرالكبير الراحل محمد السنهوتي .ـ حضر أدباء من القاهرة والدقهلية ودمياط ، كما حضر عدد من قيادات شرق الدلتا الثقافية ، ومنهم اسماعيل سالم أمين الاقليم ، ومحمود أصلان مدير المكتب الفني ، ومن الزقازيق الشاعر أحمد سامي خاطر.ـ أعتذر الدكتور علي عبدالوهاب مطاع رئيس قسم الأدب والنقد بجامعة الأزهر عن الحضور ، وبالتالي لم تطرح دراسته وكانت تدورحول رواية " مكاشفات البحر الميت " لأحمد محمد عبده. ـ تستعد الزقازيق لعقد الدورة 15 من مهرجان الربيع الشعري كما تستعد لإصدار عدد آخر من سلسلة " خيول أدبية " .ـ ارتفع مبلغ تدعيم مؤتمر اليوم الواحد ليكون ألفا جنيه بدلا من القيمة السابقة التي تبلغ نصف هذا المبلغ.في نهاية التغطية أثمن جهود الأصدقاء بديرب نجم الذين استطاعوا بإخلاصهم وتفانيهم أن يضعوا مدينتهم " ديرب نجم " على خريطة الإبداع الأدبي المصري المعاصر الذي يحتدم بالحركة والتجدد والعنفوان.ديرب نجم 5 /3/2007


سمير الفيل شاعر وروائي وناقد عربي

الأحد، 17 فبراير 2008

عشانك


من حتة طين

مخلوطة بمية نيلك جيت

وعشقت غناك ومواويلك

وعشقت الليل والنور

وعشقت النسمة

اللى تغازل وش الصفصافة

الضليلة

والعصفور الأخضر

المرفرف فوق أغصانها

يشبه عصافير الجنه

وعشقت

المسقى

بطحالبها

والبقرة اللى بتسبح فيها

وعشقت الخاله اللى بتزرع الحدود

بالتوم واللوبيا

وعشقت الصياد النيلى

وهو بيفرد قبل ادان الفجر

وبين احضان البرد

خيوط الجوبيا

وعشقت طيورك

مفروده على كل سطوحك

وعشقت جدودى

وهمه فاردين ع الحيط الخيط

لاجل حصيرة جبنه

وعشقت شتيمهم ليه

لما اصفى البراد من تفله

واكبه

عاوزين دور تانى منه

شاي مزر ود

ومغلي على نار أحلامهم

كانت أحلام مشروعه

لقمة عيش منزوعة الذله

وحتة أرض

يداعبوا فيها جمال الطله

يسقيها الجد

من عرقه

المتقرص ملح

ويورى العالم كله فنون الفلح

وينام ع الأرض

مزاجه تمام

لا يكون داين يوم لحد

ولا حتى يكون لحد مدين

فينام مرتاح البال

كانت أحلام مشروعه

لما يتوجه يدعاه لله

لأجل البقرة التعبانه تطيب

وتشاركه الناس فى دعاه

كانت أيام

عاشوا حافظين للعهد

العمر داكله

ما زاغوا فى يوم على حد

ولا بيحبوا حد يزوغ على حد

وإحنا الأحفاد

نتزايد زى السيل

ولا عدنا

بنعرف نركب ضهر الخيل

ولا نزرع أرض

العقل خلاص

تشتت بين الأوهام

أصبحنا رهينة

والجد خلاص

هنااااااااااااااااااااااااك....

بين الجدران الخرسانه

تهالك

لكن متمالك

وبيسأل جدى

ليه الواحد يلبس توب اكبر من توبه

انا ياما حكيت وقلت

ولا حد بيسمع

والحال.......... أوحال

وعصاية جدى خلاص

مش عادت قادره

ضربتها السوسه

وانزفت امى

لعدوى عروسه

ولأنى

حتة طين مخلوطه بمية نيلها

ولأنى عشقت ضحاها وليلها

ولأنى عشقت الغيط والبيت

ولأنى عشقت فداها الموت

ضحيت